تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
على الخطَّ المستقيم مطرا فالدخان لمّا يبرد فلما ذا لم ينزل على الخطَّ المستقيم بل يذهب يمنة ويسرة ؟ فإن قلت : لولا مصادفة صعود بعض الأدخنة حين نزول الأدخنة النازلة من فوق كان يلزم أن ينزل إلى خطَّ مستقيم ولكن هذا التصادف يذهب به يمنة ويسرة . فالجواب أنّ حركة تلك الأجزاء إلى أسفل طبيعيّة وحركتها يمنة يسرة عرضيّة ، والطبيعيّة أقوى من العرضيّة ، وإذا لم يكن طبيعيّة أقوى من العرضيّة فلا أقلّ من المساواة ثمّ إنّ الريح عند حركتها يمنة ويسرة ربّما تقوى على قلع الأشجار ورمي الجدار بل الجبال فتلك الأجزاء الدخانيّة عندما تحرّكت حركتها الطبيعيّة الَّتي وهي الحركة إلى السفل وجب أن تهدم السقوف ونحن نرى الغبار نزل من الهواء ولا يحسّ بنزوله من أن يهدم شيئا فثبت فساد ما ذكروه في علَّة الرياح . على أنّه يقول هب إنّ الأمر كما ذكروه ولكنّ الأسباب الفاعليّة والقابليّة لها مخلوقة للَّه فإنّه لولا الشمس وتأثيرها في تصعيد الأبخرة والأدخنة ولولا طبقات الهواء لما حدثت هذه الأمور ومعلوم أنّ من وضع أسبابا أدّت إلى منافع عجيبة وحكمة بالغة فذلك الواضع هو الَّذي فعل تلك المنافع فهو الَّذي يرسل الرياح والأمطار ويوجد بأمره ما يحتاج إليه خلقه فسبحان المتفرّد بالإيجاد ولا يشاركه أحد من العباد . قوله تعالى : * ( [ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ومَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ ] ) * أمّن يبدأ ويخترع الخلق وينشئه على غير مثال واحتذاء ثمّ يميته فيعيده بعد الإماتة . فإن قيل : كيف يقال لهم : « ثمّ يعيده » وهم منكرون للإعادة ؟ لأنّهم كانوا معترفين بالابتداء ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة قويّة . * ( [ أَإِله مَعَ اللَّه ] ) * مع أنّه أنشأكم وما أنشأكم غيره ورزقكم من السماء والأرض قل لهم إذا كان لكم في شريكي برهان : [ فاتوا به * ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ] ) * لمّا بيّن أنّه المختصّ بالقدرة والإيجاد فكذلك بيّن أنّه المختصّ بعلم الغيب . فلو قيل : معنى الاستثناء أن يكون سبحانه من الَّذين في السماوات والأرض وذلك يوجب كونه في المكان وهو منزّه عن مثل