تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
فإن قيل : قد عمّ المضطرّين بهذا القول وكم من مضطرّ يدعو فلا يجاب له ؟ فجوابه قد ذكر في أصول الفقه أنّ المفرد المعرّف لا يفيد العموم وإنّما يفيد الماهيّة فقط والحكم المثبت للماهيّة يكفي في صدقه ثبوته في فرد من أفراد الماهيّة على أنّه تعالى وعد بالاستجابة ولم يذكر أنّه يستجيب في الحال . وأمّا قوله : * ( [ ويَكْشِفُ السُّوءَ ] ) * فهو كالتفسير للاستجابة فإنّه لا يقدر على كشفه إلَّا القادر الَّذي لا يعجزه أمر . * ( [ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ ] ) * يخلف كلّ قرن منكم القرن الَّذي قبله فيهلك قرنا وينشئ قرنا . وقيل : يجعلكم خلفاء من الكفّار بنزول بلادهم وطاعة اللَّه تعالى بعد شركهم * ( [ أَإِله مَعَ اللَّه قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ] ) * أي قليلا ما تتّعظون ، و « ما » زائدة للتأكيد . * ( [ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ ومَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه ] ) * أي أم من يرشدكم إلى القصد والسمت في البرّ والبحر بما نصب لكم من الدلالات والعلامات من الكواكب والقمر إذا ضللتم وجنّ عليكم اللَّيل مسافرين في البرّ والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ؟ فإنّه سبحانه هو الَّذي يحرّك الرياح فتثير السحاب ثمّ تسوقه إلى حيث يشاء . فإن قيل : إنّ الفلاسفة قالت : الرياح إنّما يتولَّد عن الدخان وليس الدخان كلَّه هو الجسم الأسود المرتفع ممّا احترق بالنار بل كلّ جسم أرضيّ يرتفع بتصعيد الحرارة سواء كانت الحرارة حرارة النار أو حرارة الشمس فهو دخان . وقالوا : وتولَّد الرياح من الأدخنة بسبب صعود الأدخنة إلى فوق فعند وصولها إلى الطبقة الباردة ينكسر حرّها بسبب برد ذلك الهواء لا محالة فينزل فيحصل من نزولها تموّج الهواء فتحدث الريح وربّما أو جبت هيئة صعود تلك الأدخنة من تحت مانعا للأدخنة النازلة من فوق إلى أن يغفل ذلك فلأجل هذا السبب يتحرّك إلى سائر الجوانب فتحدث رياحا متفرّقة . واعلم أنّ أهل الإسلام أوردوا على فساد هذه العلَّة وجوها : الأوّل أنّ الأجزاء الدخانيّة أرضيّة فهي أثقل من الأجزاء البخاريّة المائيّة وأجزاء البخاريّة لمّا يبرد ينزل