تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
العيون لأنّ الأرض إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع قدر يعتدّ به فالأبخرة النافعة لا تجتمع إلَّا في الأرض الصلبة والجبال أصلب الأرض فلا جرم كانت أقواها على حبس هذا البخار حتّى يجتمع ما يصلح أن يكون مادّة للعيون فمستقرّ الجبل أملأ ماء ويكون الجبل في حقن الأبخرة مثل الأنبيق الصلب المعدّ للتقطير ويمنع تحليل البخار بصلابته والأرض الَّتي تحت الجبل كالقرعة والعيون كالأذناب والبخار كالمادّة ولذلك ترى أكثر العيون يتفجّر من الجبال وأقلَّها في البراريّ وذلك الأقلّ لا يكون إلَّا إذا كانت الأرض صلبة بالنسبة وأمّا أنّ أكثر السحب تكون في الجبال لأنّ في باطن الجبال من النداوات ما لا يكون في باطن الأرضين الرخوة وأنّ الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على ظاهرها من الأنداء والثلوج ما لا يبقى على سائر الأرضين والسبب المحلَّل وهو الحرّ أقلّ فلذلك أثر السحاب في الجبال أكثر . المنفعة الرابعة للأرض قوله : * ( [ وجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً ] ) * المراد أن لا يفسد بالاتّصال كالمؤمن في قلبه بحران بحر الإيمان والحكمة وبحر الطغيان والشهوة وهو بتوفيقه جعل بينهما حاجزا لكي لا يفسد أحدهما بالآخر . قال بعض أهل المعرفة في قوله تعالى : « مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ » « 1 » قال : عند عدم البغي « يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجانُ » « 2 » يخرج ويظهر الإيمان والشكر في القلب فإن قيل : لم جعل البحر ملحا قلنا لولا ملوحته لأجّ وانتشر فساد أجوجته في الأرض وأحدث الوبا العامّ فلمّا بيّن أنّه المختصّ بالقدرة على خلق الأرض الَّتي فيها مثل هذه المنافع العظيمة وجب أن يكون هو المختصّ بالإلهيّة والمعبوديّة . * ( [ أَإِله مَعَ اللَّه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ] ) * ولا يشعرون بالذهاب والتعمّق في هذه الأمور . قوله : * ( [ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاه ] ) * والاضطرار الحالة المحوجة إلى الالتجاء وهو الَّذي أحوجه أمر أو نازلة من نوازل الدهر أو مرض أو فقر إلى التضرّع إلى اللَّه لدفعه . وقيل : الَّذي لا حول ولا قوّة له . وقيل : المذنب إذا استغفر .
هامش
( 1 ) الرحمن : 20 ، 22 . ( 2 ) الرحمن : 20 ، 22 .