فإذن أنا القائم بالأمر فقال سبحانه : « ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها » فلهذه النكتة حسن الالتفات .
النوع الثاني : * ( [ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَراراً وجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً ] ) * وذلك أنّه دحاها وسوّاها للاستقرار وجعلها متوسّطة في الصلابة والرخاوة فليست في الصلابة كالحجر الَّذي يتألَّم الإنسان بالاضطجاع عليها وليست في الرخاوة كالماء الَّذي يغوص فيه . والثالث جعلها كثيفة غبراء ليستقرّ عليها النور ولو كانت لطيفة لما استقرّ النور عليها ولو لم يستقرّ النور عليها لصارت من شدّة بردها بحيث يموت الحيوانات . الرابع أنّه جعل الشمس بسبب ميل مدارها عن مدار منطقة الكلّ بحيث تبعد تارة وتقرب أخرى من سمت الرأس ولولا ذلك لما اختلف الفصول ولما حصلت المنافع الأرضيّة من الربيعيّة والصيفيّة والخريفيّة والشتائيّة . والخامس أنّه سبحانه جعل الأرض ساكنة فإنّها لو كانت متحرّكة لم يحصل الانتفاع بالسكنى عليها . السادس يطرح عليها كلّ قبيح ويخرج منها كلّ مليح .
قوله : * ( [ وجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً ] ) * وجعل في الأرض أنهارا .
اعلم أنّ المياه المنبعثة عن الأرض أربعة : الأوّل : ماء العيون السيّالة وهي تنبعث من أبخرة كثيرة المادّة قويّة الاندفاع تفجر الأرض بقوّة ثمّ لا يزال يستتبع جزء منها جزءا . الثاني : ماء العيون الراكدة وهي تحدث من أبخرة بلغت من قوّتها أن اندفعت إلى وجه الأرض ولم تبلغ من قوّتها وكثرة مادّتها أن يطرد تاليها سابقها . الثالث : مياه القنى والأنهار وهي متولَّدة عن أبخرة ناقصة القوّة عن أن تنشقّ الأرض فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صادفت حينئذ تلك الأبخرة منفذا تندفع إليه بأدنى حركة . الرابع :
مياه الآبار وهي نبعيّة كمياه الأنهار إلَّا أنّه راكد وليس له ميل إلى موضع يسيل إليه ونسبة الفنى إلى الآبار نسبة العيون السيّالة إلى العيون الراكدة فلو لا صلابة الأرض لما اجتمعت الأبخرة في باطن الأرض ولولا اجتماع الأبخرة في باطنها لما حدثت هذه العيون في ظاهرها .
قوله تعالى : * ( [ وجَعَلَ لَها رَواسِيَ ] ) * هذه المنفعة الثالثة للأرض والمراد من الرواسي الجبال أثبتت بها الأرض لئلَّا تميد وفيها منافع أخر من العيون والسحب والمعدنيّات أمّا
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 104
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٠٤