وبيانه أنّ دلالة هذه الأشياء والأمور على وجود المدبّر الصانع القديم المختار بسبب أنّ اتّصاف كلّ جسم من هذه الأجسام بتلك الصفة المخصوصة من التركيب والشكل والقوّة والهداية إمّا أن يكون واجبا أو جائزا والأوّل باطل لأنّا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكّة عن تلك التراكيب والقوى فدلّ على أنّ ذلك جائز والجائز لا بدّله من مرجّح وليس ذلك المرجّح هو الإنسان ولا أبواه لأنّ فعل ذلك يستدعي قدرة عليه وعلما بما فيه من المصالح والمفاسد وكلاهما نائيان عن الإنسان لأنّه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة وبعد البحث الشديد عن كتب التشريح لا يعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلَّا القدر القليل فلا بدّ أن يكون المتولَّي لتدبيرها موجودا آخر وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسما لأنّ الأجسام متساوية في الجسميّة فاختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثّريّة لا بدّ وأن يكون جائزا فلمّا صار جائزا افتقر إلى سبب آخر والدور والتسلسل محالان فلا بّد من الانتهاء في سلسلة الحاجة إلى موجود مؤثّر ومدبّر ليس بجسم ولا جسمانيّ . ثمّ تأثير ذلك المؤثّر إمّا أن يكون بالذات أو بالاختيار والأوّل محال لأنّ الموجب لا يميّز مثلا عن مثل وهذه الأجسام متساوية في الجسميّة فلم اختصّ بعضها بالصورة الفلكيّة وبعضها بالصورة العنصريّة وبعضها بالنباتيّة وبعضها بالحيوانيّة فثبت أنّ المؤثّر والمدبّر قادر وأن يكون واجب الوجود بالذات وإلَّا لا فتقر إلى مدبّر آخر ويلزم التسلسل وهو محال . انتهى .
قوله تعالى : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 57 إلى 66 ] قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِه ِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُه ُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً ( 58 ) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَه ُ ثُمَّ أَتى ( 60 ) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّه ِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ( 61 )
فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى ( 62 ) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 ) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 ) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْه ِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 )