ترى على علم منّي كما أنّ العالم بالشيء يحرسه عن الآفات كما أنّ الناظر إليه يحرسه عن الآفات فالعين كأنّها سبب الحراسة فأطلق اسم المسبّب مجازا وقيل : المعنى أن تربّى وتغذّى بحياطتي وحفظي كما يقال : عليك عين اللَّه وقوله : إذ تمشي أختك فتقول هل أدلَّكم على من يكفله فرجعناك إلى امّك ، فصار ذلك تفسيرا لحياطة اللَّه .
و « لتصنع » قرئ بكسر اللام وجزم العين بصيغة الأمر وبفتح التاء والنصب أي وليكون تصرّفك وعملك على علم منّي .
وبالجملة لمّا فشا الخبر بمصر أنّ آل فرعون أخذ وا غلاما في النيل وهو لا يرتضع من ثدي كلّ امرأة يؤتى بها لأنّ اللَّه حرّم عليه المراضع غير امّه اضطرّوا إلى تتبّع النساء فلمّا رأت أخت موسى جاءت إليهم منكّرة فقالت : [ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَه ُ لَكُمْ ] ثمّ جاءت بالأمّ فقبل ثديها فرجع إلى امّها بلطف اللَّه * ( [ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ ] ) * .
ومن المنن قوله تعالى : * ( [ وَقَتَلْتَ نَفْساً ] ) * خطاء وهو الَّذي وكزه موسى وكان قبطيّا كافرا فخاف موسى أن يقتلوه به * ( [ فَنَجَّيْناكَ ] ) * من خوف الاقتصاص * ( [ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ] ) * واختبرناك اختبارا وعاملناك معاملة المختبر حتّى خلصت للاصطفاء بالرسالة وهذه النعمة الأخيرة من أعظم النعم وقيل : امتحنّاك في تشديد المعاش حتّى رعيت لشعيب عشر سنين .
ثمّ شرح سبحانه في ذلك فقال : * ( [ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ] ) * حين كنت راعيا لشعيب * ( [ ثُمَّ ] ) * بعد ذلك * ( [ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ] ) * أي في الوقت الَّذي قدّر لإرسالك نبيّا قال الشاعر :
نال الخلافة إذ كانت له قدرا
كما أتى ربّه موسى على قدر
وقيل : جئت على الوقت الَّذي يوحى فيه إلى الأنبياء وهو على رأس أربعين سنة .
* ( [ وَاصْطَنَعْتُكَ ] ) * واتّخذتك صنيعتي وأخلصتك لتشتغل بإرادتي وإقامة حجّتي وجعلتك بيني وبين خلقي .
* ( [ اذْهَبْ أَنْتَ ] ) * وهارون بحججي وآياتي * ( [ وَلا تَنِيا ] ) * أي ولا تضعفا ولا تفترا في أمري ولا تقصّرا .