تحيّر موسى ودهش من التحيّر بحيث كاد أن لا يعرف اليمين من الشمال .
فلو قيل : إنّ اللَّه تعالى خاطب موسى من غير واسطة ولم يحصل ذلك لمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمّد .
فالجواب أنّه كما خاطب سبحانه موسى فقد خاطب محمّدا في قوله تعالى : « فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ِ ما أَوْحى » « 1 » والفرق بينهما أنّ الَّذي ذكره مع موسى أفشاه إلى الخلق والَّذي ذكره مع محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان سرّا لم يستأهل له أحد من الخلق وامّة محمّد يخاطبون اللَّه مرّات في الليل والنهار كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : المصلَّي يناجي ربّه وفي يوم القيامة يكلَّم اللَّه المتّقين من امّته بقوله تعالى : « سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ » « 2 » .
والصحيح أنّ « تلك » مبتدأ و « ما » خبره مقدّم عليه لما فيه من معنى الاستفهام .
فأجاب موسى * ( [ هِيَ عَصايَ ] ) * أعتمد عليها إذا مشيت والتوكّؤ التحامل على العصا في المشي وأخبت بها ورق الشجر لترعاه غنمي وقرئ « أهسّ » بالسين المهملة زجر الغنم * ( [ وَلِيَ فِيها ] ) * فوائد أخرى ولم يقل : « أخر » بالجمع لتوافق رؤس الآي .
قال ابن عبّاس : كان يحمل عليها زاده ويركزها فيخرج منه الماء ويضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل ويطرد بها السباع وإذا ظهر عدوّ حاربت وإذا أراد الاستسقاء من بئر طالت وصارت شعبتاها كالدلو وكان يظهر عليها كالشمعة فتضيء بالليل وكان تحدّثه وتؤنسه وإذا طالت شجرة جناها بمحجنها وكانت هذه الفوائد لعصا بعد أن صار موسى موسى .
قال اللَّه تعالى : * ( [ أَلْقِها يا مُوسى ] ) * ولعلّ التأويل أنّ من كان قلبه مشغولا بالعصا ومنافعها والنعلين كيف يكون مستغرقا في بحر معرفة اللَّه فألق هذه العلائق عنك وأنّ محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لمّا عرض عليه الجنّة والنار لم يلتفت إلى شيء منها : « ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى » « 3 » .
هامش
( 1 ) النجم : 11 .
( 2 ) يس : 58 .
( 3 ) الشعراء : 77 .