وأيضا باعتبار آخر ينقسم إلى أربعة أخرى : نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى عليه السّلام وثانيها حرقة بلا نور وهي نار جهنّم . وثالثها الحرقة والنور وهي نار الدنيا ورابعها لا حرقة ولا نور نار الأشجار .
وبالجملة فلمّا أبصر موسى النار توجّه نحوها * ( [ فَقالَ لأَهْلِه ِ ] ) * والخادم وأمثاله :
* ( [ امْكُثُوا ] ) * وأقيموا مكانكم والفرق بين الإقامة والمكث أنّ الإقامة تدوم والمكث لا يدوم . قوله : * ( [ إِنِّي آنَسْتُ ناراً ] ) * أي أبصرت نارا والإيناس الإبصار الَّذي لا شبهة فيه . ومنه إنسان العين فإنّه يتبيّن به الشيء ويظهر . والإنس يقال لظهورهم كما قيل الجنّ لاستتارهم وخفائهم وأيضا هو من مادّة الانس والإيناس .
ولمّا كان الإيناس بالقبس مترقّبا ومتوقّعا بنى الأمر فيه على الطمع والرجاء فقال : * ( [ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ ] ) * أي بجذوة أو برأس عود أو فتيلة منها * ( [ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ ] ) * هاديا يدلَّني على الطريق لأنّ النار لا تخلو من أهل لها وناس عندها . والهدى اسم مصدر لما يهتدى به .
* ( [ فَلَمَّا أَتاها ] ) * أي أتى النار فإذا النار في شجرة عنّاب فوقف متعجّبا من حسن ضوء تلك النار وشدّة خضرة تلك الشجرة فسمع النداء من الشجرة وهو قوله : * ( [ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ] ) * كقولك : يا فلان أنا ربّك الَّذي خلقك ، فأجاب سريعا ما يدري من دعاه فقال : إنّي أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ فقال : أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك فعلم موسى إنّ ذلك لا ينبغي إلَّا لربّه وأيقن به .
وقيل : إنّه لمّا رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها يتوقّد فيها نار بيضاء وسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما لم يكن الخضرة تطفئ النار ولا النار تحرق الخضرة تحيّر وعلم أنّه خارق العادة ومعجز وإنّه أمر عظيم فألقيت عليه السكينة وإنّما كرّر الكناية لتأكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة .
* ( [ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ] ) * وانزعهما والسبب في هذا الأمر قيل : إنّما كانتا من جلد حمار ميّت ، عن كعب وعكرمة وروي ذلك عن الصادق عليه السّلام . وقيل : كانتا زكيّة ولكنّه امر بخلعهما
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 78
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٧٨