خلق فيترك وما يعزب عن علمه مثقال ذرّة .
وقيل : * ( [ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ] ) * ابتداء كلام منه تعالى في مخاطبة الرسول .
ويتّصل به * ( [ رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْه ُ ] ) * فأمره بالعبادة والمصابرة على مشاقّ التكليف والإبلاغ .
فإن قيل : إذا كان قوله : « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ » كلام غيره فكيف جاز عطف هذا على ما قبله وهو قوله : « تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا » من غير فصل ؟
فالجواب إذا كانت القرينة ظاهرة لم يضرّ كما في قوله تعالى : « وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ » « 1 » هو كلام وقوله : « وَإِنَّ اللَّه َ رَبِّي وَرَبُّكُمْ » « 2 » كلام غير اللَّه وأحدهما معطوف على الآخر .
وبالجملة ثمّ خاطب نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم * ( [ هَلْ تَعْلَمُ ] ) * لربّك * ( [ سَمِيًّا ] ) * أي من يكون مثلا وشبيها في القدرة ويكون له علامة مثله ويستحقّ أن يكون إلها إلَّا هو ؟ وهذا استفهام بمعنى النفي أي لا تعلم من يسمّى ويتّسم بصفة القدرة والخلق والرزق والإحياء والإماتة والثواب والعقاب فإذا كان الأمر كذلك فالزم عبادته واصطبر عليها .
قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 66 إلى 70 ] وَيَقُولُ الإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه ُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 )
هذه الآية جواب لمنكري الحشر ويكذّبون القيامة وإذا كان كذلك فما فائدة العبادة وقد أمر بالعبادة ؟ فلهذا حكى اللَّه قول منكري الحشر .
والمراد بالإنسان نوع القائلين بعدم البعث ولو أنّ كلّ نوع الإنسان لا يقول بهذا القول : لأنّه لمّا كانت هذه المقالة موجودة في نوعهم صحّ إسنادها إلى جميعهم
هامش
( 1 ) البقرة : 118 . آل عمران : 47 مريم : 35 . المؤمن : 68 .
( 2 ) آل عمران : 51 .