ثمّ قال سبحانه : * ( [ إِنَّه ُ كانَ وَعْدُه ُ مَأْتِيًّا ] ) * يقينا و « مأتيّا » مفعول بمعنى فاعل وما أتاك فقد أتيته وكلّ ما وصل إليك فقد وصلت إليه والمراد أنّ الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنّه مشاهد .
والوصف الثاني * ( [ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً ] ) * واللغو من الكلام ما من شأنه أن يلقى ويطرح أي لا يسمعون كلاما معرضا عنه . أمّا قوله : « إِلَّا سَلاماً » فإن قيل : إنّ السلام ليس من جنس اللغو فكيف استثنى السلام من اللغو ؟ فالجواب أن يحمل على الاستثناء المنقطع أو من باب استثناء المدح بما يشبه الذمّ وهو عين المدح كقول النابغة :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب
والسلام محتمل أن يكون تحيّة بعضهم على بعض أو من تسليم الملائكة أو من تسليم اللَّه سبحانه كقوله : « سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ » « 1 » .
الوصف الثالث من الجنّة والرابع * ( [ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ] ) * والمراد دوام الرزق كما تقول : أنا عند فلان صاحبا ومساء وبكرة وعشيّا تريد الدوام ولا تريد بيان الوقتين لأنّه لا صباح عند ربّك ولا مساء وليس في الجنّة ليل ولا نهار والمراد أنّهم يأكلون عند مقدار الغداة والعشيّ وقد أراد اللَّه سبحانه أن يرغَّب كلّ قوم بما أحبّوه في الدنيا ولذلك ذكر أساور من الذهب والفضّة ولبس الحرير الَّتي كانت عادة العجم والأرائك الَّتي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت من عادة أشراف العرب من اليمن ولا شيء كان أحبّ إلى العرب من الغداء والعشاء .
قوله : * ( [ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا ] ) * هذه الإشارة صحّت حيث إنّها غائبة * ( [ نُورِثُ ] ) * أي نبغي عليه كما نبغي على الوارث مال المورّث وهذا الإرث لمن أطاع من عبادنا واتّقى وقيل : أورثهم اللَّه من الجنّة المساكين الَّتي كانت لأهل النار لو أطاعوا اللَّه وأضاف العباد إلى نفسه أراد به المؤمنين .
قال بعض المعتزلة كالقاضي وأصحابه : إنّ في الآية دلالة على أنّ الجنّة يختصّ
هامش
( 1 ) يس : 58 .