وأظهر وجود هذه الأنوار فحينئذ هذه الأنوار الحسّيّة والعقليّة والروحانيّة مثل جبرئيل بأسرها ممكنة لذواتها والممكن لذاته يستحقّ العدم من ذاته والعدم هو الظلمة الحاصلة والوجود هو النور فكلّ ما سوى اللَّه مظلم لذاته مستنير بإنارة اللَّه وكذا جميع معارفها بعد وجودها حاصل بإيجاد اللَّه ووجود اللَّه فهو الَّذي أظهر الأنوار بالوجود بعد أن كانت في ظلمات العدم وأفاض عليها أنوار المعارف فلا ظهور لشيء من الأشياء إلَّا بإظهاره وأعطى النور النور والانكشاف والتجلَّي .
فثبت أنّ النور المطلق بحسب الوجود هو اللَّه وأنّ إطلاق النور على غيره مجاز إذ كلّ ما سواه فإنّه من حيث هو هو ظلمة محضة لأنّه من حيث إنّه هو عدم محض بل الأنوار إذا نظرنا إليها من حيث هي هي فهي ظلمات لأنّها من حيث هي هي ممكنات والممكن من حيث هو هو معدوم والمعدوم مظلم فالنور إذا نظرنا إليه من حيث هو هو ظلمة ومن حيث إنّ اللَّه أفاض عليها نعمة الوجود فبهذا الاعتبار صارت أنوارا . فثبت أنّه سبحانه هو النور وأنّ كلّ ما سواه فليس بنور إلَّا على سبيل المجاز .
وهذا الكلام عن الشيخ الغزاليّ يرجع حاصله بعد التحقيق إلى معنى كونه سبحانه هادي أهل السماوات والأرض فلا تفاوت بين ما قاله وبين الَّذي قاله المفسّرون في المعنى .
رجعنا إلى تفسير الآية : * ( [ اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِه ِ كَمِشْكاةٍ ] ) * اعلم أنّه لا بدّ في التشبيه من المشبّه والمشبّه به وعلى ما ذكرنا وفصّلنا فالمشبّه في الآية وهو النور هداية اللَّه وآياته البيّنات كما هو قول جمهور المتكلَّمين والمعنى أنّ هداية اللَّه تعالى بلغت في الجلاء والظهور إلى أقصى الغاية بمنزلة المشكاة الَّتي تكون فيها زجاجة ومعنى المشكاة قيل : القنديل أو الكوّة في الحائط الَّتي جعل فيها زجاجة صافية وفي الزجاجة مصباح يتّقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء .
فإن قيل : لم شبّه بذلك وقد علمنا أنّ ضوء الشمس أبلغ وأقوى من ذلك بكثير ؟
قلنا : إنّه سبحانه أراد أن يصف الضوء الكامل الَّذي يلوح في وسط الظلمة وهدايته فيما بينها تلوح لأنّ الغالب على أوهام الخلق الشبهات الَّتي هي كالظلمات وهداية اللَّه
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 352
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣٥٢