تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
الإدراكين يقتضي ظهور المدرك فكلّ واحد من الإدراكين نور إلَّا أنّه ورود العيوب والموانع لنور العين أكثر ممّا يرد على نور العقل والبصيرة ، وأيضا إنّ قوّة البصر لا تدرك نفسها ولا تدرك آلاتها وأمّا قوّة العاقلة فإنّها تدرك نفسها وآلاتها من القلب والدماغ وأيضا الإدراك العينيّ والحسّيّ لا يتّسع لها لأنّ البصر مثلا إذا توالى عليه ألوان كثيرة عجز عن إدراكها وتمييزها صحيحا ويدرك لونا عاليا من تلك الألوان وكذلك الإدراك السمعيّ إذا توالت عليه كلمات كثيرة التبست عليه تلك الكلمات ولم يحصل التميّز وأمّا الإدراك النور العقليّ متّسع له فثبت أنّ نور العقل أكمل من نور البصر . هذا أحد وجوه مزيّة نور العقل على نور البصر ورجحانيّة نور المعقول على نور المحسوس . الثاني أنّ نور البصر يدرك الجزئيّات ونور البصيرة يدرك الكلَّيّات ومدرك الكلَّيّات وهو القلب أقوى وأشرف من مدرك الجزئيّات لأنّ إدراك الكلَّيّات يتضمّن إدراك الجزئيّات الواقعة تحته ولا عكس . الثالث أنّ الإدراك العينيّ والحسّيّ غير منتج لأنّ من أحسّ بشيء لا يكون ذلك الإحساس سببا لحصول إحساس آخر بل لو استعمل له الحسّ مرّة أخرى لأحسّ به مرّة أخرى وأمّا الإدراك والنور العقليّ منتج لأمور أخر لأنّا إذا عقلنا أمورا ثمّ ركّبناها في عقولنا توسّلنا بتركيبها إلى اكتساب علوم أخر وهكذا كلّ تعقّل حاصل فإنّه يمكن التوصّل به إلى تحصيل تعقّل آخر إلى ما لا نهاية له . الرابع أنّ القوّة الحسّيّة إذا أدركت المحسوسات القويّة ففي ذلك الوقت تعجز عن إدراك الضعيفة فإنّ من سمع الصوت الشديد أو أبصر اللون القويّ لا يمكنه أن يسمع الصوت الضعيف أو يرى اللون الخفيف والنور العقليّ لا يشغله معقول عن معقول . الخامس أنّ القوّة الباصرة لا تدرك المرئيّ مع القرب القريب ولا مع البعد البعيد والقوّة العقليّة لا تختلف حالها بحسب القرب والبعد فإنّها تترقّى إلى فوق العرش وتتنزّل إلى ما تحت الثرى في أقلّ من لحظة واحدة بل تدرك صفات اللَّه مع كونه سبحانه