الشمس عند عين الباصرة لا عند عين العمياء إذ بنور الشمس يتمّ الأبصار فبالحريّ أن يسمّى القرآن نورا كما يسمّى نور الشمس نورا فنور القرآن يشبه نور الشمس ونور العقل يشبه نور العين وبهذا البيان يظهر معنى قوله : « فَآمِنُوا بِاللَّه ِ وَرَسُولِه ِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا » « 1 » وقوله « قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » « 2 » وإذا كان بيان الرسول أقوى من نور الشمس وجب أن يكون نفسه القدسيّة أعظم في النورانيّة من الشمس وكما أنّ الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيره ولا تستفيده من غيره فكذا نفس النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يفيد الأنوار العقليّة لسائر الأنفس البشريّة ولا تستفيد الأنوار العقليّة من الأنفس البشريّة فلذلك وصف اللَّه الشمس بأنّها سراج حيث قال سبحانه : « وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً » « 3 » ووصف محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بأنّه سراج منير .
إذا عرفت هذا فمن المعلوم عند العقل والنقل أنّ الأنوار الحاصلة في أرواح الأنبياء مقتبسة من المبدء الأوّل والفيض الأقدس الأعلى بتوسّط الملائكة كما قال تعالى : « يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه ِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ِ » « 4 » وقال تعالى :
« نَزَلَ بِه ِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » « 5 » وقال : « قُلْ نَزَّلَه ُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ » « 6 » وقال : « إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَه ُ شَدِيدُ الْقُوى » « 7 » والوحي إلى النبيّ لا يكون إلَّا بواسطة الملائكة والأنوار مختلفة فبعضها مفيدة وبعضها مستفيدة ولو أنّ المفيدة أيضا مستفيدة من نور الأنوار قال تعالى في وصف جبرئيل : « مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ » « 8 » وإذا كان هو مطاع الملائكة فالمطيعون لا بدّ وأن يكونوا تحت أمره ، وقال :
« وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ مَقامٌ مَعْلُومٌ » « 9 » فللأنوار درجات وترقّيات حتّى تنتهي إلى من خلق
هامش
( 1 ) التغابن : 8 .
( 2 ) النساء : 173 .
( 3 ) الفرقان : 61 .
( 4 ) النحل : 2 .
( 5 ) الشعراء : 193 .
( 6 ) النحل : 102 .
( 7 ) النجم : 4 ، 5 .
( 8 ) التكوير : 21 .
( 9 ) النمل : 164 .