تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
مسبوقة بالحصول في المكان الأوّل والأزليّ يمتنع أن يكون مسبوقا بالغير فالحركة الأزليّة محال وأمّا السكون فغير جائز لأنّ السكون لو كان أزليّا لكان ممتنع الزوال ونحن نرى حسّا أنّ النور جائز الزوال لأنّا نرى أنّه ينتقل من مكان إلى مكان فدلّ ذلك على حدوث الأنوار والحادث لا يكون إلها . وبمجموع هذه الدلائل ثبت بطلان قول المانويّة الَّذين يعتقدرون أنّ الإله سبحانه هو النور الأعظم . وأمّا المجسّمة المعترفون بصحّة القرآن فيحتجّ على فساد قولهم بوجهين الأوّل : قوله تعالى « لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ » « 1 » ولو كان نورا لبطل ذلك لأنّ الأنوار كلَّها متماثلة . الثاني قوله : « وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » « 2 » وذلك صريح في أنّ ماهيّة النور مجعولة مخلوقة للَّه تعالى فيستحيل أن يكون الإله نورا فلا بدّ من التأويل كما بيّنّا من أنّ النور لمّا كان سببا للهداية والظهور فيصحّ إطلاق اسم النور على الهداية فقوله : « اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ » أي ذو نور السماوات وهو هاديهم فهو لهم كالنور الَّذي يهتدى به إلى طرق الخير قال جرير :
« وأنت لنا نور وغيث وعصمة »
. ويمكن أن يكون المراد ناظم السماوات والأرض فإنّه قد يعبّر بالنور عن النظام يقال : ما أرى لهذا الأمر من نور . وذكرنا وجوها أخر في صدر تفسير الآية وأصحّ الأقوال أنّ المراد بالنور في الآية الهداية إلى طريق الحقّ وقوله تعالى في آخر الآية : « يَهْدِي اللَّه ُ لِنُورِه ِ مَنْ يَشاءُ » يؤيّد هذا القول . وصنّف الشيخ الغزاليّ في تفسير هذه الآية كتابا سمّاه بمشكاة الأنوار ويؤول حاصل كلام الغزاليّ بأنّ اللَّه هادي وخالق السماوات وحاصل كتابه في تأويل هذه الآية أنّ اللَّه نور في الحقيقة بل ليس النور إلَّا هو ولكن مراده ليس هذا النور المنبسط من الأشعّة على الأرض حتّى يلزم الحدوث والافتقار والتجسّم كما بيّنّا . قال : ويحتاج بيانه إلى بيان مقدّمة وهي أنّ للإنسان بصرا وبصيرة فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان والبصيرة هي القوّة العاقلة وكلّ واحد من
هامش
( 1 ) الشورى : 11 . ( 2 ) الانعام : 1 .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 348 | مير سيد علي الحائري الطهراني