ومعناه : كان الواجب على المؤمنين إذا سمعوا قول القاذف أن يكذّبوه ولا يسرعوا إلى التهمة ويشتغلوا بحسن الظنّ فيمن عرفوا طهارته ولم لم يظنّوا بهم خيرا لأنّهم كأنفسهم والمؤمنون كلَّهم كنفس واحدة فيما يجري عليهم من الأمور فإذا جرى على أحدهم محنة فكأنّما جرت على جماعتهم والمؤمن يكون هذا شأنه وقيل : هذا الخطاب لمن أشاعه .
وحاصل المعنى : أنّه هلَّا سمعتموه أو أفشيتموه ما ظننتم لما تظنّونه لأنفسكم وذلك لأنّها امّ المؤمنين ومن خلا بامّه فإنّه لا يطمع فيها ولا تطمع فيه وهلَّا قلتم هذا الحديث كذب ظاهر وإفك مبين ؟
قوله : * ( [ لَوْ لا جاؤُ عَلَيْه ِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ] ) * أي هلَّا جاؤوا على ما قالوه بيّنة وهي أربعة شهداء يشهدون بصدق ما ادّعوه * ( [ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ ] ) * أي فحين لم يأتوا بالشهداء * ( [ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّه ِ هُمُ الْكاذِبُونَ ] ) * أي في حكمه هم الكاذبون .
قوله : * ( [ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّه ِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه ُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ] ) * أي ولو لم يكن فضله عليكم بأن أمهلكم لتتوبوا ولم يعاجلكم بالعقوبة * ( [ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيه ِ عَذابٌ عَظِيمٌ ] ) * لأصابكم في قولكم هذا وخوضكم في هذا الحديث عذاب لا انقطاع له .
ثمّ ذكر الوقت الَّذي كان يصيبهم العذاب لولا الفضل فقال : * ( [ إِذْ تَلَقَّوْنَه ُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ] ) * ويرويه بعضكم عن بعض وتقبلونه من غير حجّة ويتلقّى بعضكم هذا الإفك عن بعض * ( [ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِه ِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَه ُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّه ِ عَظِيمٌ ] ) * وتلقّي القول معناه : أنّ الرجل كان يلقى الرجل فيقول له : ما وراءك ؟ فيحدّثه بحديث الإفك والقذف حتّى شاع واشتهر فلم يبق ناد ولا بيت إلَّا وشاع الخبر وذلك من العظائم ثمّ إنّ النّاس يتكلَّمون بما لا علم لهم وذلك يدلّ على أنّه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم وأمّا الَّذي لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عمّا علم كذبه في الحرمة ونظيره في الآية قوله : « وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِه ِ عِلْمٌ » « 1 » .
فإن قيل : ما معنى قوله : « بأفواهكم » والقول لا يكون إلَّا بالفم ؟ فمعناه أنّ الشيء المعلوم يكون علمه في القلب ثمّ يترجم عنه باللسان والإفك ليس إلَّا قولا يجري
هامش
( 1 ) الإسراء : 36 .