عليّ عليه السّلام على الحائط ونزل إلى البستان وأتبعه وولَّى جريح مدبرا فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة وصعد عليّ عليه السّلام في أثره فلمّا دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء فانصرف عليّ عليه السّلام إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال له : يا رسول اللَّه إذا بعثتني في الأمر أكون فيه كالمسمار المحمى في الوبر أمضي على ذلك أم أتثبّت ؟ قال : لا بل تثبّت قال : والَّذي بعثك بالحقّ نبيّا ماله ما للرجال وما له ما للنساء فقال : الحمد للَّه الَّذي صرف عنّا السوء أهل البيت .
وهذه الرواية أوردها القميّ بعبارة أخرى في سورة الحجرات عند قوله تعالى « إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا » أي فتثبّتوا وزاد : فاتي به رسول اللَّه فقال له : ما شأنك يا جريح فقال : يا رسول اللَّه إنّ القبط يحبّون حشمهم ومن يدخل إلى أهاليهم والقبطيّون لا يأنسون إلَّا بالقبطيّين فبعثني أبوها لأدخل عليها وأخدمها وأونسها .
قال الفيض : إن صحّ هذا الخبر فلعلَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إنّما بعث عليّا عليه السّلام إلى جريح ليظهر الحقّ ويصرف السوء وكان قد علم أنّه لا يقتله ولم يكن يأمر بقتله بمجرّد قول عائشة ويدلّ على هذا ما رواه القميّ في سورة الحجرات عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أمر بقتل القبطيّ وقد علم أنّها قد كذبت عليه أو لم يعلم وإنّما دفع اللَّه القتل عن القبطيّ بتثبّت عليّ عليه السّلام فقال : بلى قد كان واللَّه علم ولو كانت عزيمة من رسول اللَّه القتل ما رجع عليّ عليه السّلام حتّى يقتله ولكن إنّما فعل رسول اللَّه لترجع عن ذنبها فما رجعت ولا اشتدّ عليها قتل رجل مسلم .
ولمّا ذكر حال القاذفين والمقذوفين عقّبها بما يليق من الآداب والتربية والزواجر عن مثل هذا الأمر بقوله : * ( [ لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوه ُ ] ) * أي هلَّا ومعنى « لولا » إذا يليه الفعل هلَّا كقوله « لَوْ لا أَخَّرْتَنِي » « 1 » « فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ » « 2 » ولكن إذا وليه الاسم فليس كذلك كقوله : « لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ » « 3 » وقوله : « وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّه ِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه ُ » « 4 »
هامش
( 1 ) المنافقون : 10 .
( 2 ) يونس : 98 .
( 3 ) سبأ : 31 .
( 4 ) النساء : 83 . النور : 19 .