الربّ ارجعوني ؟
فإن قيل : كيف يسألون الرجعة وقد علموا صحّة الدين بالضرورة من الدين أن لا رجعة .
فالجواب أنّه وإن كان الأمر كذلك لكن لا يمتنع أن يسألوه لأنّ الاستغاثة يقع عند الشدّة ولو حال اليأس ولذلك أتوا مسؤولهم بكلمة الشكّ بقولهم « لعلَّي » وأوردوا الكلام الَّذي للترجّي مع كونهم جازمين بأنّهم يتدارسونه كون ولا يتداركون كما قال اللَّه : « وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه ُ » « 1 » .
والمراد من قوله : * ( [ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ] ) * أي فيما خلَّفت من المال لأتدارك فيما تركت من أداء حقوقها الواجبة من اللَّه ومن الناس وكذلك لأداء العبادات المتروكة الفائتة كأنّهم تمنّوا الرجعة لإصلاح ما أفسدوا ويطيعوا في كلّ ما عصوا .
قال الصادق عليه السّلام في مانعي الزكاة : يسأل الرجعة عند الموت .
وهذا البيان على قول الأكثرين من أنّه راجع إلى حال الكفّار لكن قال الضحّاك : كنت جالسا عند ابن عبّاس فقال : ذلك قول من لم يزكّ ولم يحجّ يسأل الرجعة عند الموت فقال رجل : إنّما يسأل ذلك الكفّار فقال ابن عباس : أنا أقرأ عليك به قرانا قوله تعالى : « وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ » « 2 » قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إذا حضر الإنسان الموت جمع كلّ شيء كان يمنعه من حقّه بين يديه فيقول عنده : « رَبِّ ارْجِعُونِ » الآية .
قوله : * ( [ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ] ) * فيقول اللَّه سبحانه في جوابهم كلمة المنع والردع بما طلبوا كما يقال لطالب الأمر المستبعد : هيهات ، في الحديث إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال لعائشة : إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا له : نرجعك إلى الدنيا فيقول المؤمن : إلى دار الهموم والأحزان ؟ لا بل قدوما على اللَّه وأمّا الكافر فيقال له : نرجعك فيقول : ارجعوني فيقال له : إلى أيّ شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس
هامش
( 1 ) الانعام : 28 .
( 2 ) المنافقون : 10 .