ثمّ بيّن سبحانه أنّه لا يكلَّف أحدا إلَّا دون الطاقة والوسع إنّما سمّي وسعا لأنّه يتّسع عليه فعله وقيل : الوسع الطاقة ولكنّ المعتزلة قالوا : إنّه دون الطاقة ، وهذه الآية صريحة على نفي تكليف ما لا يطاق بل كلَّف دون الوسع والطاقة فمن لم يستطع أن يصلَّي قائما فليصلّ جالسا ومن لم يستطع جالسا فليؤم إيماء .
قوله : * ( [ وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ] ) * أي وعند ملائكتنا المقرّبين كتاب ينطق ويشهد عليكم بالحقّ كتبه الملائكة بأمرنا في صحائف الأعمال وهم يوفون جزاء أعمالهم لا ينقص من ثواب أعمالهم ولا يزاد في عقابهم وشبّه الكتاب بمن ينطق ويصدر عنه البيان فإنّ الكتاب لا ينطق لكنّه يعرب « 1 » بما فيه كما ينطق ويعرب الناطق إذا كان محقّا وهذا الكلام مثل قوله : « وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً » « 2 » والآية تدلّ على أنّ العبد موجد لفعله وإلَّا لكان تعذيبه على العمل ظلما .
قوله : * ( [ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا ] ) * أي قلوب الكفّار في غفلة شديدة من هذا الكتاب ومن هذا البيان الَّذي بيّنّاه في القرآن من الوعد والوعيد وفي جهل وحيرة * ( [ وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ] ) * أي ولهم أعمال رديئة خبيثة سوى ذلك الجهل ويعملون تلك الأعمال فيستحقّون بها وبالكفر العقوبة من اللَّه وقيل : المراد : ولهم أعمال أصغر من الكفر وهم مشتغلون بها إلى أن يفني آجالهم .
وقيل : إنّ من قوله : « وَلَدَيْنا كِتابٌ » إلى قوله : « هُمْ لَها عامِلُونَ » في أوصاف المشفقين لا الكافرين وقد يكون المرء لشدّه فكره في الآخرة يستولى عليه الفكر في قبول عمله أو ردّه ويتحيّر وهو المراد بوقوع القلب في غمرة وقوله « من هذا » أي من هذا الإشفاق والخوف ولهم أعمال من دون ذلك أي من النوافل ووجوه البرّ سوى ما هم عليه .
قوله : * ( [ حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ] ) * قال صاحب الكشّاف :
حتّى هذه هي الَّتي يبتدأ بعدها الكلام أي يكون دأبهم هذا ومشتغلون بأعمالهم القبيحة حتّى إذا نزل بهم العذاب وأخذنا متنعّميهم ورؤساءهم بعذاب الآخرة وقيل : عذاب
هامش
( 1 ) أعربه : ابانه .
( 2 ) الكهف : 50 .