بسطت له الدنيا وذلك أبعد له منّي ثمّ تلا هذه الآية إلى قوله « بَلْ لا يَشْعُرُونَ » ثمّ قال : إنّ ذلك فتنة لهم .
قوله : « بَلْ لا يَشْعُرُونَ » الشعور العلم الَّذي يدقّ معلومه وفهمه على صاحبه ومعنى « نسارع » نتعجّل ونسرع وحاصل المعنى أنّ هذا الإمداد ليس إلَّا استدراجا لهم في المعاصي وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وكلمة « بل » للاستدراك لقوله : « أيحسبون » أي بل هم أشباه البهائم لا شعور لهم حتّى يتفكّروا في ذلك أهو استدراج أم مسارعة في الخيرات ؟
قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 57 إلى 61 ] إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 )
لما ذمّ حال المستدرجين بيّن في هذه الآية صفة المسارعين في الخيرات :
الصفة الأولى قوله : * ( [ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ] ) * والإشفاق يتضمّن الخشية مع زيادة رقّة وضعف ، وقيل : جمع بينهما للتأكيد فإذن متساويان ومنهم من حمل الخشية على العذاب فالمعنى : الَّذين هم من عذاب ربّهم مشفقون . وقيل : المعنى :
الَّذين هم من خشيته مشفقون أي دائمون في طاعته جادّون في طلب مرضاته والتحقيق أنّ من بلغ في الخشية إلى حدّ الإشفاق وهو كمال الخشية كان في نهاية الخوف من سخط اللَّه عاجلا ومن عقابه آجلا يكون في نهاية الاحتراز عن المعاصي .
الصفة الثانية قوله : * ( [ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ] ) * وآيات اللَّه هي المخلوقات الدالَّة على وجوده فيصدّقون بها ويقرّون ويعتقدون بحجج اللَّه وكتبه ورسله .
والصفة الثالثة قوله : * ( [ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ] ) * وليس المراد من الآية التوحيد ونفي الشريك للَّه لأنّ ذلك داخل في قوله : « وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ » بل المراد منه نفي الشرك الخفيّ وهو أن يكون مخلصا في العمل والعبادة ولا يقدم عليها إلَّا لوجه اللَّه .