تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
ولمّا كان البيان في ذكر شمول نعمته على الخلق أتبعه بذكر عمدة أنعامه عليهم بإرسال السل فقال : * ( [ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِه ِ ] ) * ومن الأنبياء المرسلين نوح عليه السّلام وهو آدم الثاني لأنّ الناس بعد الغرق من أولاده وإنّما سمّي نوحا لنوحه وكثرة بكائه على نفسه وكان سبب نوحه أنّه كان يدعو على قومه بالهلاك وقيل : السبب مراجعة ربّه في شأن ابنه للغرق وقيل . مرّ بكلب مجذوم فقال له : اخسأ يا قبيح ! فعوتب على ذلك فقال اللَّه له : أعيّبتني إذ خلقته أم عيّبت الكلب . وهذه الوجوه على فرض كون الأعلام تفيد صفة في المسمّى والمحقّقون لم يثبتوا هذه الإفادة وقالوا : إنّ الأعلام لا تفيد صفة في المسمّيات . وبعد إرسال نوح إلى قومه * ( [ فَقالَ يا قَوْمِ ] ) * وحّدوا اللَّه وأطيعوه * ( [ ما لَكُمْ مِنْ إِله ٍ غَيْرُه ُ أَفَلا تَتَّقُونَ ] ) * عذاب اللَّه في ترك الإيمان وعبادة غيره لأنّ العبادة تحسن لمن أنعم بالخلق والإيجاد فكيف يعبد ما لا يضرّ ولا ينفع ؟ * ( [ فَقالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ِ ] ) * وامّته أي الأشراف الكفرة من قومه أوردوا شبهات لتكذيب نوح : الشبهة الأولى قولهم : * ( [ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ] ) * أي إنّه مساو لسائر الناس في البشريّة والفهم والغنى والفقر والصحّة والمرض وهذا يمتنع أن يكون رسولا وهو مشارك لكم في جميع الأمور ولكنّه أحبّ الرياسة والمتبوعيّة فلم يجد إليها سبيلا فادّعى النبوّة فبهذه الشبهة قدحوا في نبوّته ويؤيّد هذا المعنى بعده قوله تعالى : * ( [ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ] ) * ويترأَّس ويطلب الفضيلة عليكم . الشبهة الثانية قولهم : * ( [ وَلَوْ شاءَ اللَّه ُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً ] ) * أي إنّ اللَّه لو شاء إرسال الرسول وإرشاد الخلق ولا يعبد غيره لوجب أن يسلك الطريق الَّذي أقرب إلى المقصود ومعلوم أن بعثة الملائكة أشدّ إفضاء من المقصود من بعثة البشر لعلوّ شأن الملائكة وشدّة سطوتهم وكثرة علومهم فالخلق ينقادون إليهم ولا يشكّون في رسالتهم فلمّا لم يفعل ذلك علمنا أنّه ما أرسل رسولا البتّة . الشبهة الثالثة : * ( [ ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الأَوَّلِينَ ] ) * أي ما سمعنا بهذا الكلام