وثالثها : أنّ معاداة قريش له كانت أعظم من أن يقنعوا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر فكيف أجمعوا على أنّه عظَّم آلهتهم حتّى خرّوا سجّدا مع تلك المخالفة الدائمة منه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ؟
ورابعها : قوله : * ( [ فَيَنْسَخُ اللَّه ُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّه ُ آياتِه ِ ] ) * وذلك لأنّ إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان أقوى من نسخه بهذه الآيات الَّتي تبقى الشبهة معها فإذا أراد اللَّه إحكام الآيات لئلَّا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا أولى .
وخامسها - وهو أقوى الوجوه - : أنّا لو جوّزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوّزنا في كلّ واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ويبطل قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ُ وَاللَّه ُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » « 1 » فإنّه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي والزيادة فيه .
فبهذه الوجوه عرفنا أنّ هذه القصّة مجعولة موضوعة أكثر ما في الباب أنّ جمعا من المفسّرين ذكروها وما بلغوا حدّ التواتر وخبر الواحد لا يعارض النصّ والدلائل النقليّة والعقليّة ولنرجع الآن إلى التفسير . انتهى كلامه .
قال المرتضى رحمه اللَّه : لا يخلو التمنّي في الآية من أن يكون معناه القراءة والتلاوة كما قال حسّان بن ثابت :
تمنّى كتاب اللَّه أوّل ليلة
وآخره لاقى حمام المقادر
أو يكون من تمنّي القلب فإن كان المراد التلاوة فالمعنى : أنّ من أرسل قبلك من الرسل كان إذا تلا ما يؤدّيه إلى قومه حرّفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا كما فعلت اليهود وأضاف ذلك إلى الشيطان لأنّه يقع بغروره فينسخ اللَّه ما يلقي الشيطان ويدحضه بظهور حججه وخرج هذا على وجه التسلية للنبيّ لمّا كذب المشركون عليه وأضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم ما لم يكن فيها .
وإن كان المراد تمنّي القلب فالوجه أنّ الرسول متى تمنّى بقلبه بعض ما يتمنّاه
هامش
( 1 ) المائدة : 70 .