صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قرأ عقيب هذه الآية : تلك الغرانيق العلى ، لكان قد ظهر كذب اللَّه تعالى في الحال وذلك لا يقوله مسلم .
ورابعها : قوله تعالى : « وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَه ُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا » « 1 » وكلمة « كاد » معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنّه لم يحصل .
وخامسها : قوله : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا » « 2 » وكلمة « لولا » تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدلّ على أنّ ذلك الركون القليل لم يحصل .
وسادسها : قوله : « كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِه ِ فُؤادَكَ » « 3 » .
وسابعها : قوله : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » « 4 » .
وأمّا السنّة فهي ما روى محمّد بن إسحاق بن خزيمة أنّه سئل عن هذه القصّة فقال :
هذا من موضوعات الزنادقة وصنّف فيه كتابا . وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ : هذه القصّة غير ثابتة من جهة النقل ثمّ أخذ يتكلَّم في أنّ رواة هذه القصّة مطعون فيهم وأيضا روى البخاريّ في صحيحه أنّ النبيّ عليه السّلام قرأ سورة والنجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجنّ وليس فيه حديث الغرانيق وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتّة حديث الغرانيق .
وأمّا المعقول فمن وجوه :
أحدها : أنّه غلط من جوّز على الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تعظيم الأوثان لأنّ من المعلوم أنّ أعظم سعيه كان في نفي الأوثان .
وثانيها : أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما كان يمكنه في أوّل الأمر أن يصلَّي ويقرأ القرآن عند الكعبة أمنا من أذى المشركين له حتّى كانوا ربّما مدّوا أيديهم إليه وإنّما كان يصلَّي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا لم يحضروها ليلا أو في أوقات خلوة فكيف يقع هذا الأمر ؟
هامش
( 1 ) الإسراء : 73 .
( 2 ) الإسراء : 74 .
( 3 ) الفرقان : 32 .
( 4 ) الأعلى : 6 .