ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض ؟ فينبغي أن يكون عادتك يا محمّد الصبر عليهم فإنّه تعالى يمهل للمصلحة فلا بدّ من الرضا والتسليم وإن شقّ ذلك على القلب .
واعلم أنّه بدون ذلك البيان يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول من المؤمنين فكيف بذلك مع منزلته ؟ لأنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في كلّ وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غمّا كما يفصح عن هذا المعنى قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت فصبّره اللَّه حالا بعد حال إكراما له وقد تقدّم ذكر المكذّبين ووصف وبالغ عذابهم بالإنكار بحصول الأخذ والأخذ كاشف عن حقيقة الإنكار .
قال بعض علماء العامّة : إنّ السبب في تأخير عذاب الاستئصال عن هذه الامّة أنّ ذلك العذاب مشروط بأمرين : أحدهما أنّ عند اللَّه حدّ من الكفر من بلغه عذّبه ومن لم يبلغه لم يعذّبه . والثاني أنّ اللَّه سبحانه لا يعذّب قوما حتّى يعلم أنّ أحدا منهم لا يؤمن ، فأمّا إذا حصل الشرطان فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيعذّبهم بعذاب الاستيصال وهو المراد بقوله « حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ » « 1 » أي من إجابة القوم وقوله لنوح :
« أَنَّه ُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » « 2 » وإذا عذّبهم اللَّه فإنّه ينجي المؤمنين لقوله :
« وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا - بالعذاب - نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه ُ » » .
قوله تعالى : * ( [ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ] ) * وقرئ « أهلكتها » بالتاء بمناسبة « فأمليت » قال بعضهم : « كأيّن » المراد من معناه « كم » للتكثير وقيل : معناه « ربّ » والأوّل أنسب في معنى الزجر من الثاني أي وكم من أهل قرى أهلكناها وأهلها ظالمون بالتكذيب والكفر فالقرى خالية من أهلها وساقطة على سقوفها * ( [ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ] ) * وكم من بئر باد أهلها وغار ماؤها وتعطَّلت من دلائها فلا مستقى منها ولا وارد لها وكم من قصر مجصّص خاليا عن السكنة للعبرة .
وفي تفسير أهل البيت : أي وكم من عالم لا يرجع إليه ولا ينتفع بعلمه . وفي
هامش
( 1 ) يوسف : 110 .
( 2 ) هود : 36 .
( 3 ) هود : 62 .