تامّ الخلقة أو المعنى : مصوّرة وغير مصوّرة هي ما كان لا تخطيط فيه ولا تصوير كأنّه قسّم سبحانه المضغة على قسمين : منها ما خلقه إنسانا تامّا بلا نقص ومنها ما ليس كذلك أي يخلق المضغ متفاوتة فيتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم والَّذي يخرج حيّا والَّذي يخرج ميّتا وسقطا لهذه الجهة .
روى علقمة عن عبد اللَّه بن عمر قال : إذا وقعت النطفة في الرحم بعث اللَّه ملكا وقال : يا ربّ مخلَّقة أو غير مخلَّقة ؟ فإن قال : غير مخلَّقة بجّتها الأرحام دما وإن قال :
مخلَّقة قال : يا ربّ ما صفتها أذكر أم أنثى ؟ ما رزقها ؟ ما أجلها ؟ أشقيّ أم سعيد ؟
فيقول اللَّه سبحانه : انطلق إلى امّ الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معها حتّى يأتي على آخر صفتها .
قوله : * ( [ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحامِ ما نَشاءُ ] ) * أي لندلَّكم ونوضح لكم مقدوراتنا بتصريفكم في ضروب الخلق أنّ من قدر على البدء قدر على الإعادة حتّى يزول ريبكم والمفعول محذوف . و « نُقِرُّ فِي الأَرْحامِ » أي نبقي في الأرحام ما نشاء إلى وقت تمامه وما لا نقرّ في أرحام الأمّهات فيقع بالسقط ونقص خلقة البعض .
* ( [ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ ] ) * بعد التكميل من بطون امّهاتكم وأنتم أطفال والمراد بالطفل الصغير من الناس وإنّما وحّد مع أنّ المراد الجمع لأنّه بمعنى المصدر وإذا كان بمعنى المصدر فيستوي فيه الجمع والمفرد تقول : رجل عدل ورجال عدل أو المراد ثمّ نخرج كلّ واحد منكم * ( [ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ] ) * أي ثمّ سهّل عليكم في تربيتكم وأغذيتكم أمورا لتبلغوا أنتم حال بلوغ الأشدّ وهو حال اجتماع القوّة والعقل وتماميّة الصورة والمعنى والأشدّ من ألفاظ الجموع الَّتي لم يستعمل لها واحد .
وفي الآية دلالة على أنّ هذه الأمور باختيار الفاعل القادر المختار ولولاه لما صار بعضه مخلَّقا وبعضه غير مخلَّق وكان كلَّه مخلَّقا أو كان كلَّه غير مخلَّق .
قوله : * ( [ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ] ) * قبل بلوغ الأشدّ * ( [ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ] ) * أي أسوء العمر وأهونه وأحقره وهي حال الخرف ولأنّه لا يرجو الإنسان بعد هذا الوقت صحّة وقوّة بل يترقّب الموت بخلاف حال الطفوليّة والشباب الَّذي يرجى له
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 212
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢١٢