قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : نعم . قال : قد خصمتك وربّ الكعبة ، أليس اليهود عبدوا عزيرا ، والنصارى عبدوا المسيح ، وبنو فليح عبدوا الملائكة ؟ فأجاب صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : بل هم عبدوا الشياطين الَّتي أمرتهم بذلك فأنزل اللَّه هذه الآية : * ( [ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ] ) * الآية ، يعني عزيرا والمسيح والملائكة .
وإنّما كان مقصود ابن الزبعرى أن يفحم النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بأنّ لازم هذه الآية أنّ عزيرا وعيسى عليهما السّلام والملائكة حينئذ حصب جهنّم عنادا باللَّه فأجابهم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بأنّ معبودهم الشياطين ثمّ نزلت الآية : « إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى » فنزّهتهم الآية .
واعلم أنّ كلام ابن الزبعرى ساقط بالكلَّيّة من وجوه : الأوّل أنّ الخطاب لقريش ومشركي مكّة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط . والثاني أنّه تعالى لم يقل :
ومن تعبدون بل قال : و « ما تعبدون » وكلمة « ما » لا تتناول العقلاء أمّا قوله « وَالسَّماءِ وَما بَناها » « 1 » وقوله « لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ » « 2 » محمول ومفسّر بشيء والشيء لا يفيد العموم فلا يتوجّه سؤال ابن الزبعرى ، ولو أفاد الشيء معنى العموم فخصّ بالدلائل العقليّة والسمعيّة في حقّ الملائكة والمسيح وعزير فوعدهم اللَّه إيّاهم بكلّ مكرمة فعلى الفرض فخرجوا بدليل منفصل فحينئذ لا يرد إيراد اللعين .
والحكمة في أنّهم قرنوا بآلهتهم أنّهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غمّ وحسرة لأنّهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلَّا بسببهم والمقارنة إلى العدوّ والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب قيل : وما كان حديدا منها أو حجرا يحمى ويلتزق بعبّادها ، وما كان خشبا يجعل جمرة يعذّب بها صاحبها استهزاء ، ومعنى حصب جهنّم المراد : يقذفون في النّار فلمّا رمي بهم كرمي الحصباء جعلهم « حصب » تشبيها .
واللام في قوله : * ( [ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ] ) * معوّضة من « على » للدلالة على الاختصاص ، ولبيان أنّ ورودهم لأجلها والخطاب لهم ويشمل الأصنام تغليبا .
فإن قيل : الشياطين عقلاء ولفظ « ما » لا يتناولهم فكيف قال الرسول ذلك ؟
هامش
( 1 ) الشمس : 6 .
( 2 ) الكافرون : 2 .