ثمّ ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الَّذين كانوا في دينهم فقالوا : انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس ممّا ذكر من نزول العذاب وإن كان قد خرج فهو كما قال فطلبوه فقيل لهم : إنّه خرج العشيّ فلمّا أيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمّهات ثمّ قاموا ينتظرون الصبح فلمّا انشقّ الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقّوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر فرفع اللَّه العذاب عنهم فبعثوا إلى يونس فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل .
فعلى هذا القول كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت وفي هذا القول رواية أخرى وهي أنّ جبرئيل قال ليونس عليه السّلام : انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم أنّ العذاب قد حضرهم ، فقال يونس عليه السّلام : التمس لي دابّة ، فقال : الأمر أعجل من ذلك ، فغضب وانطلق إلى السفينة وباقي الحكاية كما مرّت إلى أن التقمه الحوت فانطلق إلى أن وصل نينوى فألقاه هناك .
واحتجّ القائلون بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية من وجوه وانتهزوا فرصة في الأمر :
أحدها : أنّهم فسّروا أنّه ذهب مغاضبا لربّه وهذا من أعظم الذنوب .
والجواب أنّ المغاضبة لم تكن مع اللَّه لأنّه ليس في الآية أنّ يونس من غاضب لكنّا نقطع أنّه لا يجوز على نبيّ اللَّه أن يغاضب ربّه بل للمؤمن لا يجوز هذا الأمر فضلا من أن يكون نبيّا لقوله : « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّه ُ وَرَسُولُه ُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ » « 1 » فحينئذ لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى اللَّه فوجب أن يكون المراد أنّه خرج مغاضبا لمن يعصيه فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعا .
وثانيها : قوله تعالى : « فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْه ِ » .
وقد أجبنا عن هذه الشبهة وغيرها في أوّل تفسير الآية حيث فسّر القدر بالتقدير لا بالقدرة كقوله تعالى : « اللَّه ُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ » « 2 » أي يضيق « وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْه ِ
هامش
( 1 ) الأحزاب : 36 .
( 2 ) الرعد : 28 .