تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
على السماء لأنّه تعالى لمّا فصّل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماويّة . وقيل : المراد من الرتق الاستواء والصلابة ففتقهما اللَّه أمّا السماء بالمطر والأرض بالنبات والزرع والشجر . والدليل على هذا المعنى قوله بعد ذلك : « وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ » وذلك لا يليق إلَّا وللماء تعلَّق بما تقدّم من المعنى . وقيل : المراد بالرتق حال عدم الأشياء قبل الوجود والفتق الإيجاد والظهور كقوله : « فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ » فأخبر سبحانه عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق لأنّ العدم نفي محض وليس فيه ذرّات مميّزة وكأنّه أمر واحد بسيط فعند الوجود والتكوّن يتميّز بعضها عن بعض وينفصل ، فبهذا الطريق يحسن إطلاق العدم على الرتق والوجود على الفتق مجازا . النوع الثاني : من الدلائل الستّة : * ( [ وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ] ) * وجعلنا إمّا أن يتعدّى إلى واحد فالمعنى : خلقنا كلّ ذي روح وحيوان من الماء وهذا كقوله : « وَاللَّه ُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ » « 1 » وإذا تعدّى إلى مفعولين فالمعنى : صيّرنا كلّ شيء حيّا بسبب من الماء لا بدّ له منه ، فحينئذ « من » في هذا الكلام مثل « من » في كلامه : « ما أنا من دد ولا الدد مني » وعلى هذا يكون « حيّا » بالنصب على المفعول الثاني . فإن قيل كيف قال : وخلقنا من الماء كلّ حيوان وقد قال : « وَالْجَانَّ خَلَقْناه ُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ » « 2 » ؟ والجواب : اللفظ وإن كان عامّا إلَّا أنّ القرينة المخصّصة قائمة والدليل إذا كان مشاهدا محسوسا فخروج الجنّ والملائكة وعيسى لا يخرج الدليل عن كونه دليلا لأنّ الكفّار لم يروا شيئا من ذلك ولا يختصّ بالحيوان كونه من الماء بل يدخل فيه النبات والأرض أما ترى يقول سبحانه : « كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » « 3 » ؟ وبالجملة فالماء الَّذي بسببه حياة كلّ حيوان وشئ من ينزله من السماء غير اللَّه ؟ أفلا يؤمنون ويصدّقون بتوحيده ويدعون الشرك والتثليث ؟
هامش
( 1 ) النور : 45 . ( 2 ) الروم : 50 . ( 3 ) الحجر : 27 .