الواحد خيّرا وشريرا معا فلا بدّ من فاعلين ليكون أحدهما فاعلا للخير والآخر فاعلا للشرّ .
وحاصل هذه الشبهة أنّ مدبّر العالم لو كان واحدا لما خصّ هذا بالحياة والصحّة والغنى وخصّ ذلك بالموت والألم والفقر فلمّا كان مدار القائلين بالشريك على طلب اللمّيّة لا جرم بيّن سبحانه بعد بيان الدلائل على التوحيد أنّه سبحانه غير مسؤول عن أفعاله وغيره مسؤول عن فعله لا يقال للحكيم : لم فعلت ؟ وبم فعلت ؟ لأنّه العالم بالأصلح وعالم بقبح القبائح وغنيّ عنها ومنزّه منها ومن كان كذلك فإنّه يستحيل أن يفعل القبيح ، وإذا عرفنا إجمالا أنّ كلّ ما يفعله على وفق الحكمة والصواب فلم يجز للعبد الملوك أن يقول لمولاه : لم فعلت هذا ؟
قوله تعالى : * ( [ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه ِ آلِهَةً ] ) * كرّر هذا البيان استعظاما لكفرهم وعقيدتهم الفاسدة استفهام إنكار وتوبيخ * ( [ قُلْ ] ) * لهم يا محمّد : * ( [ هاتُوا ] ) * حجّتكم على صحّة اتّخاذكم وفعلكم قل لهم يا محمّد : * ( [ هذا ] ) * القرآن * ( [ ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ] ) * بما يلزمهم من الأحكام * ( [ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ] ) * فيه من الأمم من أحوالهم ممّن نجا بالإيمان وهلك بالكفر .
وقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : يعني بذكر من معي من معه وما هو كائن ويعني بذكر من قبلي ما قد كان .
وقيل : إنّ معناه : في القرآن خبر من معي على ديني ممن يتّبعني إلى يوم القيامة بمالهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وذكر ما أنزل اللَّه من الكتب قبلي فانظروا هل في واحد من الكتب أنّ اللَّه أمر باتّخاذ إله سواه ؟
قال الزمخشريّ : « ذكر » منوّنا و « من » مفعول للمصدر بمعنى الفاعل .
وقال الزجّاج : معناه قل يا محمّد لهم : هاتوا برهانكم بأنّ رسولا من الرسل أتى امّته بأنّ لهم إلها غير اللَّه فهل في ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي كالتوراة والإنجيل إلَّا توحيد اللَّه ؟ ويدلّ على صحّة هذا قوله فيما بعد . « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْه ِ أَنَّه ُ لا إِله َ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ » .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 150
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٥٠