لا إله إلَّا اللَّه فوجب أن يكون الشفاعة نافعة له لأنّ الاستثناء من النفي إثبات .
فإن قيل : إنّه تعالى استثنى عن النفي بشرطين : أحدهما : حصول الإذن .
والثاني : أن يكون قد رضي له قولا ، فهب أنّ الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين وهو « قد * ( رَضِيَ لَه ُ قَوْلًا » فمن أين حصل فيه الإذن ؟
فالجواب أنّ أحد الأمرين وهو أنّه رضي له قولا كاف في حصول الاستثناء لقوله تعالى : « وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى » « 1 » فاكتفى هناك بهذا القيد .
ودلَّت هذه الآية على أنّه لا بدّ من الإذن فظهر من مجموعها أنّه إذا رضى له قولا يحصل الإذن في الشفاعة وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتمّ المقصود .
أقول : إنّ في هذا البيان الَّذي يقوله الرازيّ : « فظهر من مجموعهما أنّه إذا رضي له قولا يحصل الإذن في الشفاعة » تأمّل لأنّه من أين أثبت هذه الملازمة فلو أثبت الملازمة من الآية فغير محقّقة لكن قد وردت أخبار صحاح على أنّ الشفاعة تنال الفسّاق من أهل الإيمان والقبلة وعندنا أنّ الفسق لا يخرج العبد من الإيمان إذا لم يكن الفاسق مستحلَّا .
قوله : * ( [ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ] ) * الضمير يرجع إلى الَّذين يتّبعون الداعي أي يعلم سبحانه منهم جميع أقوالهم وأفعالهم قبل أن خلقهم وبعد أن خلقهم وما كان في حياتهم وبعد مماتهم .
* ( [ وَلا يُحِيطُونَ ] ) * باللَّه * ( [ عِلْماً ] ) * أي لا يعلمون بمقدوراته وبكنه عظمته في ذاته وأفعاله ، وقيل : ولا يحيطون علما بما في بين أيمانهم وخلفهم إلَّا من اطَّلعه اللَّه على ذلك * ( [ وَعَنَتِ الْوُجُوه ُ ] ) * وذلَّت خضوع الأسير الوجوه أي أرباب الوجوه واستسلموا * ( [ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ] ) * وحكمه .
وإنّما أسند الفعل إلى الوجوه لأنّ أثر الذلّ يظهر على الوجوه قبل كلّ عضو .
وقيل : المراد من الوجوه الرؤساء والقادة والملوك أي يذلَّون وينسلخون عن ملكهم وعزّهم ، والعنو الذلَّة ومنه أخذوا العاني للأسير ، وتفسير الحيّ القيّوم قد تقدّم .
روى أبو أمامة الباهليّ عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : اطلبوا اسم اللَّه الأعظم في هذه
هامش
( 1 ) الأنبياء : 28 .