تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
فانّها هي الأصل ثمّ النبوّة ثمّ الشريعة وإنّما قال : « إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ » وخصّ هذا الموضع باسم الرحمن لأنّه كان ينبئهم بأنّهم إن تابوا قبل اللَّه توبتهم . ثمّ إنّهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن بهذا الكلام الركيك الَّذي ينبئ عن التقليد والجحود [ ف * ( قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْه ِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ] ) * فقالوا : نستديم على عبادة العجل إلى أن يأتي موسى . قوله تعالى : * ( [ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ ] ) * ولا زائده * ( [ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ] ) * . واعلم أنّ الطاعنين في عصمة الأنبياء خذلهم اللَّه انتهزوا فرصة في ظاهر الآية وجالوا في الكلام وقالوا : إنّ موسى إمّا أن يكون قد أمر هارون باتّباعه أولم يأمره فإن أمر به فإمّا أن يكون هارون قد اتّبعه أولم يتّبعه فإن اتّبعه كانت ملامة موسى لهارون معصية وإن لم يتّبعه كان هارون تاركا للواجب فكان منه معصية وأيضا إنّ هارون قال : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزا كان قول هارون عليه السّلام : تَأْخُذْ » منعا له عمّا كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية من هارون عليه السّلام وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزا كان موسى عليه السّلام فاعلا للمعصية . هذه مناقشات الطاعنين في العصمة . والجواب عن الكلّ قد ذكر في سورة البقرة في قوله : « فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها » « 1 » وأنّه لا يجوز صدور المعصية من الأنبياء ببراهين ثابتة وأصول محكمة ودلائل منفصلة الَّتي توجب التأويل في ظاهر الآية ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز . إذا ثبتت هذه المقدّمة : فالجواب عن هذه المناقشات وجوه وهو أنّه بتقدير ما أوردتموه لا يوجب صدور المعصية منهما بل يحصل ترك الأولى منهما أو من أحدهما لأنّ الفعل الَّذي فعله أحدهما ومنعه الآخر أعني موسى وهارون عليه السّلام كان أحدهما أولى والآخر ترك الأولى بل يمكن أن لا يكون أيضا ترك أولى منها مثلا في قول موسى لهارون عليه السّلام : « ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ) *
هامش
( 1 ) الآية 36 .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 113 | مير سيد علي الحائري الطهراني