المعتضد فقلت له : أعطني ذلك المدرى فقال لغلامه : أعطه حتّى نبصر إيش يعمل فأخذت المدرى وصعدت الزورق فكنت أكسر دنّا دنّا والملَّاح يصيح حتّى بقي واحدة فأمسكت فجاء صاحب السفينة فأخذني وحملني إلى المعتضد وكان سيفه قبل كلامه فلمّا وقع بصره عليّ قال : من أنت ؟ قلت : المحتسب ، قال : من ولَّاك الحسبة ؟ قلت : الَّذي ولَّاك الخلافة ! قال :
لم كسرت هذه الدنان ؟ قلت : شفقة عليك إذ لم تصل يدي إلى دفع مكروه عنك ، قال : فلم أبقيت واحدة منها ؟ قلت : إنّي لمّا كسرت هذه الدنان فإنّي كسرتها حميّة في دين اللَّه فلمّا وصلت إلى هذا أعجبت فأمسكت ولو بقيت كما كنت لكسرته ، فقال : اخرج يا شيخ فقد ولَّيتك الحسبة ، فقلت : كنت أفعله للَّه تعالى فلا احبّ أن أكون شرطيّا . وأمّا الشفقة على المسلمين فلأنّ الإنسان يجب أن يكون رقيق القلب مشفقا على أبناء جنسه وأيّ شفقة أعظم من أن يرى جمعا يتهافتون على النار فيمنعهم منها ؟
وعن أبي سعيد الخدريّ عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقول اللَّه تعالى : اطلبوا الفضل عند الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم فإنّي جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوها في القاسية قلوبهم فإنّ فيهم غضبي .
وروي أنّه بينا رسول اللَّه جالس ومعه أصحابه إذ نظر إلى شابّ على باب المسجد فقال : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ، فسمع الشابّ ذلك فولَّى وقال : إلهي وسيّدي هذا رسولك يشهد عليّ بأنّي من أهل النار وأنا أعلم أنّه صادق فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء امّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتشعلني بالنار حتّى تبرّ يمينه ولا تشعل النار بأحد آخر فهبط جبرئيل عليه السّلام وقال : يا محمّد بشّر الشابّ بأنّي أنقذته من النار بتصديقه لك وفدائه نفسه لأمّتك ولشفقته على الخلق .
وبالجملة إنّ هارون لمّا رأى أنّ الناس متهافتين على النار لم يبال بكثرتهم وأمر بمعروف دينه وصرّح الحقّ بقوله : « يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ ) * بالعجل » ثمّ دعاهم إلى معرفة اللَّه ثانيا بقوله « وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ » ثمّ دعاهم ثالثا بمعرفة النبوّة بقوله « فَاتَّبِعُونِي » ثمّ دعاهم رابعا إلى الشرائع بقوله : « وَأَطِيعُوا أَمْرِي » وهذا هو الترتيب الجيّد لأنّه قبل كلّ شيء لا بدّ من إماطة الأذى والقاذورات عن الطريق ودفع الشبهات ثمّ معرفة اللَّه
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 112
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١١٢