الأول الدلائل العقليّة الدالَّة على أنّه لا يجوز من اللَّه أن يفعل ذلك لأنّه ظلم إذا عذّبهم بعد خلق الكفر فيهم .
الثاني أنّه تعالى قال : « وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ » ولو كان اللَّه خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامريّ فيه أثر وكان يبطل قوله : « وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ » وأيضا فلأنّ موسى لمّا طالبهم بذكر سبب الفتنة قال : « أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ » فلو حصل ذلك بخلق اللَّه لكان لهم أن يقولوا : السبب فيه أنّ اللَّه خلقه فينا لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى ، وأيضا فقال : « أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ » ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له .
قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير : كان السامريّ علجا من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر . والأكثرون أنّه من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة . وقيل : كان من القبط جارا لموسى وقد آمن به . والَّذين خلَّفهم موسى مع هارون وأضلَّهم السامريّ على ساحل البحر ستّمائة ألف افتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا وإنّ الجماعة أقاموا بعد مفارقة موسى عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيّامها وقالوا : قد أكملنا العدّة والسامريّ شرع في تدبير الأمر لمّا غاب موسى وعزم على إضلالهم .
فلمّا استخبر موسى بالفتنة رجع إلى قومه من الميقات حزينا شديد الغضب متلهّفا على ما فاته لأنّه خشي أن لا يمكنه تدارك الأمر قال : يا بني إسرائيل * ( [ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ] ) * وهو إيتاء التوراة لتعلموا وتعملوا ، أو المراد النجاة من فرعون وقومه والمغفرة لمن تاب وتمسّك بالدين * ( [ أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ] ) * حتّى قست قلوبكم بسبب زيادة العشرة * ( [ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ ] ) * فهذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأنّ ليس أحد يريد ذلك لكن مريد السبب مريد للمسبّب بالعرض .
واحتجّ العلماء بأنّ الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات ولذا فرّقوا بين الغيظ والغضب وأنّ اللَّه لا يوصف بالغيظ ويوصف بالغضب لأنّ الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه والغيظ تغيّر يلحق المغتاظ وذلك لا يصحّ إلَّا على الأجسام كالضحك
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 107
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٠٧