عن الانتهاك وأطاع وجمع بين الوعيد والوعد لأنّ الإيمان لا يتمّ إلَّا بالخوف والرجاء كما قال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا . « 1 » ثمّ ذكر ما يدلّ على الرحمة وهو كونه غفورا رحيما ، وفي الآية إشعار بأنّ جانب الرحمة أغلب لأنّه اتي بوصفين من أوصاف الرحمة ، ولمّا أنذر وبشّر عقّبه بقوله : * ( [ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ] ) * وأداء الرسالة وبيان الشريعة ، فأمّا القبول والردّ فهما من شأن المكلَّف * ( [ واللَّه يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ] ) * ولا يخفى عليه شيء من أحوالكم الَّتي تظهرونها وتخفونها ، وفي قوله : « اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ » دلالة على وجوب معرفة العقاب والثواب لكونهما لطفا في باب التكليف .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 100 ] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّه يا أُولِي الأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 )
قوله تعالى :
النزول : لمّا بيّن سبحانه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله : « واللَّه يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ » بيّن في هذه الآية أنّ الحلال والحرام لا يستويان ، قيل :
نزلت الآية في حجّاج اليمامة لمّا همّ المسلمون أن يوقعوا بهم ، وذلك بسبب أنّه كان فيهم رجل يقال له الحطيم وقد أتى المدينة في السّنة السابقة ، واستاق سرح المدينة فخرج في العام القابل - وهو عام عمرة القضاء - حاجّا ، فبلغ ذلك أصحاب السرح ، فقالوا للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم : هذا الحطيم خرج حاجّا مع حجّاج اليمامة فخلّ بيننا وبينه ، فقال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّه قلَّد الهدي وما أذن لهم أن يوقعوا به بسبب استحقاقهم الأمن من بتقليد الهدايا فنزلت الآية تصديقا له صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم في نهيه إيّاهم عن تعرّض الحجّاج وإن كانوا مشركين ، وقد مضت هذه القصّة في أوّل السورة أيضا عند تفسير قوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّه » ، وبقي حكم هذه الآية إلى أن نزلت سورة البراءة فنسخ بنزولها لأنّه قد كان فيها : « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا » « 2 » وفيها أيضا : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ » « 3 » فنسخ حكم الهدي والقلائد والشهر
هامش
( 1 ) وفي هذا المعنى روايات رواها الكليني في الأصول من الكافي « ج 2 : 67 - 71 . »
( 2 ) التوبة : 28 .
( 3 ) التوبة : 5 .