« أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ » « 1 » .
الوجه الثالث أنّه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة ، وجعل تلك المناسك سببا لحطَّ الذنوب ورفع الدرجات وكثرة الكرامات ، والآية محمولة على جميع هذه الوجوه ومن المعلوم أنّ قوام أمور الناس إمّا بكثرة المنافع وهو الوجه الأوّل ، أو بدفع المضارّ وهو الوجه الثاني ، أو بحصول الدين والسعادة وهو الوجه الثالث ، فصارت الكعبة سببا لقوام الناس والمراد من الناس بعض الناس وهم العرب ، وإنّما حسن هذا المجاز لأن أهل كلّ بلد إذا قالوا : الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنّهم لا يريدون إلَّا أهل بلدتهم ، فلهذا السبب خوطبوا على وفق عادتهم .
وقيل : إنّ معنى قياما للنّاس أنّهم لو تركوه عاما واحدا لا يحجّونه ما نوظروا أن يهلكوا عن عطا ، ورواه عليّ بن إبراهيم عنهم عليهم السلام : ما دامت الكعبة يحجّ الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت وتركوا الحجّ هلكوا . « 2 »
* ( [ والشَّهْرَ الْحَرامَ ] ) * يعني أشهر الحرم وهي أربعة : واحد فرد وثلاثة سرد أي متتابعة فالفرد رجب والسرد ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ، وإنّما خرج مخرج الواحد لأنّه ذهب به مذهب الجنس وهو عطف على المفعول الأوّل لجعل أي وجعل الشهر الحرام الَّذي يؤدّى فيه الحجّ قياما لهم أيضا ، مثل قولك : ظنت زيدا منطلقا وعمرو ، فالشهر الحرام أيضا سبب لقوام النّاس وذلك لأنّه إذا دخل الشهر الحرام زال الخوف منهم وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم ويحصلون فيه من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة ، فلو لا حرمة الشهر لهلكوا وتفانوا من الشدّة والجوع بزيادة اكتساب الثواب العظيم إذا أقاموا مناسك الحجّ .
قوله : * ( [ والْهَدْيَ والْقَلائِدَ ] ) * أي وجعل اللَّه الهدي أيضا قياما لهم وهو ما يهدى إلى
هامش
( 1 ) العنكبوت : 67 .
( 2 ) رواه مرسلا علي بن إبراهيم في : 147 من تفسيره المطبوع . وفي الفقيه « ص : 258 » عن حنان بن سدير قال ذكرت لأبي جعفر عليه السلام البيت فقال : لو عطلوه سنة واحدة لم يناظروا .
وفي خبر آخر ينزل ( لنزل خ ل ) عليهم العذاب .