تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
البيت ويذبح هناك ويفرّق لحمه بين الفقراء ، فهو قوام لمعيشة الفقراء . والقلائد أي وجعل القلائد أيضا قياما للنّاس ، وهي جمع قلادة وهي ما يقلَّد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو علامة ليعلم أنّه هدي فلا يتعرّض له بركوب أو حمل ، والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهي البدن والبقرة والأضاحيّ ، ووجه كون القلائد سببا لقوام النّاس أنّ من قلَّد هديا لم يتعرّض له أحد ، وربما كانوا يقلَّدون رواحلهم إذا رجعوا من مكّة من لحاء شجر الحرم ، فيأمنون بذلك ، فكان أهل الجاهليّة يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من الجوع وهو يرى الهدي والقلائد فلا يتعرّض له تعظيما ، فكانت هذه الأمور دالَّة على عظمة البيت وشرفه . * ( [ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا ] ) * إشارة إلى الجعل منصوب بفعل مقدّر أي شرع اللَّه ذلك وبيّن لتعلموا * ( [ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ] ) * فإنّ تشريع هذه الشرائع لدفع المضارّ الدينيّة والدنيويّة قبل وقوعها من أوضح الدّلائل على حكمة الشارع ، وعلى عدم خروج شيء من علمه المحيط ، فإنّه تعالى لمّا علم في الأزل أنّ مقتضى عادة العرب وحرسهم الشديد على القتل والغارة وأنّه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه ، ولأدّى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلَّيّة دبّر في ذلك تدبيرا لطيفا وهو أنّه ألقى في قلوبهم اعتقادا قويّا في تعظيم البيت ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام وفي الأشهر الحرم ، فاستقامت بذلك مصالح معاشهم وقلَّت مفسدتهم ، وذلك التدبير بسبب علمه الأزليّ بجميع المعلومات من الجزئيّات والكلَّيات ولهذا قال سبحانه : « ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ » ثمّ قال * ( [ وأَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] ) * تعميم بعد تخصيص للتّأكيد وما أحسن هذا الترتيب في هذا البيان ! .

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 98 إلى 99 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ وأَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ واللَّه يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ( 99 )

لمّا ذكر سبحانه رحمته لعباده عقّبه بذكر الوعيد والوعد فقال : * ( [ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ] ) * لمن انهتك محارمه وعصاه * ( [ وأَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ] ) * لمن تاب وأناب وانقطع