تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
والعرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة ، وإنّ المتفرّد من البنيان يسمّى كعبة لنتوّه من الأرض ، والبيت الحرام سمّي بذلك لأنّ اللَّه تعالى حرّم أمورا فيها وعظَّم حرمته ، وفي الحديث : مكتوب في أسفل المقام : إنّي أنا اللَّه ذو بكّة حرّمتها يوم خلقت السماوات والأرض ويوم وضعت هذين الجبلين وحففتها بسبعة أملاك ضياء ، من جاءني زائرا لهذا البيت عارفا بحقّه مذعنا لي بالربوبيّة حرّمت جسده على النّار . المعنى : * ( [ جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَةَ ] ) * أي حكم وصيّر الكعبة وحجّها * ( [ الْبَيْتَ الْحَرامَ ] ) * عطف بيان على جهة المدح دون التوضيح كما يجيء الصفة كذلك ، والحرام بمعنى المحرّم . قال الحقّيّ في تفسيره المسمّى بروح البيان : وقد جاء في بعض التفاسير في قوله : « ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 1 » أنّه لم تجبه بهذه المقالة من الأرض إلَّا أرض الحرم فلذلك حرّمها فصارت حرمتها كحرمة المؤمن إنّما حرّم دمه وعرضه وماله بسبب طاعته لربّه ، فأرض الحرم لمّا قالت : أتينا طائعين حرّم صيدها وشجرها وفي الخبر أنّه لم يأكل الحيتان الكبار صغارها في أرض الحرم في الطوفان لحرمتها * ( [ قِياماً لِلنَّاسِ ] ) * وأصله قوام لأنّه من قام يقوم مصدر كالصيام فإذا صحّ قلب حرف العلَّة في الفعل صحّ في مصدره ، وإذا اعتلّ في الفعل اعتلّ في مصدره وذكروا في كون الكعبة سببا لقوام مصالح النّاس وجوها : منها أنّ أهل مكّة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه . فاللَّه تعالى جعل الكعبة معظَّمة في القلوب حتّى صاروا أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، مسافرين إليها من كل فجّ عميق لأجل التجارة وصار ذلك سببا لإسباغ النعم على أهل مكّة . الثاني أنّ العرب كانوا يتقاتلون ويغزون إلَّا في الحرم ، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتّى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرّض له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثمّ التجأ إلى الحرم لم يتعرّض له ، كما قال سبحانه :
هامش
( 1 ) فصلت : 11 .