محذوف ، أي فهو ينتقم اللَّه منه ، والمراد بالانتقام : التّعذيب في الآخرة ، واختلف في لزوم الجزاء بعد العود : قال ابن عبّاس والحسن : لا جزاء عليه ، ويقولون : إنّ ذنبه أعظم من أن يكفّره التصدّق بالجزاء ، وعلى هذا القول يكون المراد من قوله : « عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ » في المرّة الأولى بسبب أداء الجزاء ، ومن عاد إليه مرّة ثانية وصاد فلا كفّارة لجرمه ، بل اللَّه ينتقم منه .
وحجّة هذا القول أن الفاء في قوله : « فَيَنْتَقِمُ اللَّه مِنْه » فاء الجزاء والجزاء هو الكافي ، وكونه كافيا يمنع من وجوب شيء آخر فلا يجب الجزاء عليه ، قال الطبرسيّ : وهذا القول هو الظاهر من روايات أصحابنا ، وقيل : إنّه يلزمه الجزاء ، عن عطا وسعيد بن جبير وإبراهيم ، وبه قال بعض أصحابنا ، * ( [ واللَّه عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ] ) * غالب في حكمه ينتقم ممّن تعدّى أمره ويرتكب نهيه .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 96 ] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وطَعامُه مَتاعاً لَكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً واتَّقُوا اللَّه الَّذِي إِلَيْه تُحْشَرُونَ ( 96 )
قوله تعالى :
المراد بالصيد المصيد ، علي بالبحر جميع المياه ، والعرب تسمّي النهر بحرا أي أبيح لكم ، والخطاب للمحرمين وإن كان غير المحرم داخلا فيه . صيد الماء : الطريّ منه * ( [ وطَعامُه ] ) * أي طعام البحر ، ثمّ اختلف في معناه ، فقيل : يريد به ما قذفه البحر ميتا وقيل : يريد بصيد البحر السّمك الطريّ وبطعامه المملوح ، عن سعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير ومجاهد ، وهذا الَّذي بمذهبنا ، وإنّما سمّي طعاما لأنّه يدّخر ليطعم ويؤكل كالمعتاد من الأغذية .
قال الطبرسيّ : فيكون المراد بصيد البحر : الطريّ وبطعامه : المملوح ، لأنّ عندنا لا يجوز أكل ما يقذف البحر ميتا للمحرم وغير المحرم وقيل : المراد بطعامه ما ينبت بمائه من الزروع والثّمار .
قوله : * ( [ مَتاعاً لَكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ ] ) * في انتصاب « متاعا » قال الزجّاج : انتصب لكونه مصدرا مؤكّدا ، ولمّا قال سبحانه : « أُحِلَّ لَكُمْ » كان دليلا على أنّه منعم به وذكر « مَتاعاً لَكُمْ » تصريحا بأنّه أنعم عليكم وقال صاحب الكشّاف : انتصب لكونه مفعولا له ، أي احلّ