مذهب الشّافعيّ ، والآخر أن يصوم عن كل مديّن يوما ، وهو المرويّ عن أئمّتنا وهو مذهب أبي حنيفة .
ثمّ اختلفوا في هذه الكفّارات الثلاث هل هي مرتّبة أم مخيّرة ؟ قيل : مخيّرة ، وقيل : مرتّبة ، وحجّة القائل بالتّخيير أنّ كلمة « أو » في أصل اللَّغة للتّخيير ، والقول بأنّها للتّرتيب ترك للظَّاهر ، وحجّة القائلين بالتّرتيب أنّ كلمة « أو » قد تجيء لغير معنى التّرتيب ، كما في قوله : « أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ » « 1 » فإنّ المراد منه تخصيص كلّ واحد من هذه الأحكام للمحارب بحالة معيّنة ، فثبت أنّ هذا اللَّفظ يحتمل التّرتيب وقالوا : والدليل دلّ على أنّ المراد هو الترتيب ، لأنّ الواجب هنا حكم وشرّع على سبيل التّغليظ بدليل قوله : « * ( لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِه ) * * ( ومَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّه مِنْه ) * » والتّخيير ينافي التّغليظ ، وأجابوا عنه بأنّ إخراج المثل ليس أقوى عقوبة من إخراج الطَّعام ، فالتّخيير لا يقدح في القدر الحاصل من العقوبة في إيجاب المثل ، وأمّا في موضع التّقويم فقال أكثر الفقهاء من العامّة : إنّما يقوّم في المكان الَّذي قتل الصيد فيه وقيل : يقوّم بمكّة .
* ( [ لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِه ] ) * أي عقوبة ما فعله ووخامة أمره وثقله ، يقال : مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة ، وماء وبيل إذا لم يستمرّ ، وإنّما سمّي الجزاء وبالا مع أنّها عبادة ونعمة ومصلحة ، لأنّه تعالى شدّد عليهم التّكليف وثقل ذلك عليهم ، كما حرّم الشّحم على بني إسرائيل لمّا اعتدوا في السّبت فثقل ذلك عليهم ، وإن كان مصلحة ، لأنّ اللَّه كلَّفهم وخيّرهم بين ثلاثة أمور اثنان منها يوجب نقصان المال وهما الجزاء بالمثل والإطعام ، والثّالث يوجب إيلام البدن وهو الصوم .
* ( [ عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ ] ) * من أمر الجاهليّة ، وقيل : المعنى : عفا اللَّه عمّا سلف منهم قبل أن يسألوا رسول اللَّه ، فإن قيل : إنّهم قبل التّحريم ما كانوا خاطئين حتّى يعفوا وذلك لأنّهم كانوا قبل الإسلام متعبّدين بشرائع من قبلهم وكان الصّيد فيها محرّما .
* ( [ ومَنْ عادَ ] ) * إلى قتل الصّيد بعد النّهي عنه وهو محرم * ( [ فَيَنْتَقِمُ اللَّه مِنْه ] ) * خبر مبتدأ
هامش
( 1 ) المائدة : 33 .