ما كان جناح على الَّذين طعموا كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة فقال : « وما كانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » « 1 » ولكنّه لم يقل ذلك ، بل قال : « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وآمَنُوا » ولا شكّ أنّ « إذا » للمستقبل لا للماضي انتهى كلامهم فأمّا الجواب ، قال أبو بكر الأصمّ : إنّه لمّا نزلت آية تحريم الخمر قال بعض الأصحاب : يا رسول اللَّه كيف بإخواننا الَّذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار ؟ وكيف بالغائبين عنّا في البلدان ولا يشعرون بعد بأنّ اللَّه حرّم الخمر ، وهم يطعمونها ؟ فأنزل اللَّه هذه الآية ، وعلى هذا التّقدير فالحمل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول الآية ، لكن في حقّ الغائبين الَّذين لم يبلغهم النّصّ انتهى .
رجعنا إلى تفسير الآية : ليس على الَّذين آمنوا وعملوا الصّالحات إثم * ( [ فِيما طَعِمُوا ] ) * وفي تفسير أهل البيت : فيما طعموا من الحلال * ( [ إِذا مَا اتَّقَوْا ] ) * شربها بعد التحريم * ( [ وآمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ] ) * أي الطاعات * ( [ ثُمَّ اتَّقَوْا ] ) * أي داموا على الاتّقاء * ( [ وآمَنُوا ] ) * أي داموا على الإيمان * ( [ ثُمَّ اتَّقَوْا ] ) * عن المخالفة بفعل الطَّاعات والفرائض * ( [ وأَحْسَنُوا ] ) * بفعل الخيرات وإتيان النوافل . قال الطبرسيّ : الاتّقاء الأوّل اتّقاء الشّرب بعد التّحريم والاتّقاء الثاني الدوام على ذلك ، والاتّقاء الثّالث اتّقاء مطلق المعاصي مع ضمّ الإحسان إليه ، فعلى هذا يكون الاتّقاء الأوّل هو اتّقاء الشرب بعد التحريم ، والاتّقاء الثّاني هو الدوام على ذلك ، والاتّقاء الثّالث اتّقاء مطلق المعاصي وضمّ الإحسان إليه وقيل : الاتّقاء الأوّل هو اتّقاء المعاصي العقليّة ، والإيمان الأوّل هو الإيمان باللَّه ، وبما أوجب اللَّه الإيمان به ، والإيمان بقبح هذه المعاصي ، والاتّقاء الثّاني هو اتّقاء المعاصي السمعيّة والإيمان بقبحها ووجوب اجتنابها ، والاتّقاء الثّالث مختصّ بمظالم العباد ، وبما يتعدّى إلى الغير من الظلم والفساد . وقال أبو عليّ الجبّائيّ : إنّ الشرط في قوله : « إِذا مَا اتَّقَوْا » يتعلَّق بالزمان الماضي ، والشرط الثاني يتعلَّق بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله ، والشرط الثالث يختصّ بمظالم العباد ،
هامش
( 1 ) البقرة : 142 .