تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وغيره ، إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصّالحات ، لأنّ الشّرط في نفي الجناح لا بدّ من أن يكون له تأثير حتّى يكون متى انتفى ثبت الجناح ، وقد علمنا أنّ باتّقاء المحارم ينتفي الجناح فيما يطعم فهو الشّرط الَّذي لا زيادة عليه ، ولمّا ذكر الاتّقاء والإيمان وعمل الصالحات - ولا تأثير لهما في نفي الجناح - علمنا أنّه أضمر ما تقدّم ذكره ليصحّ الشّرط ويطابق المشروط لأنّ من اتّقى الحرام لا جناح عليه فيما يطعم ، ولكنّه قد يصحّ أن يثبت عليه الجناح فيما اخلّ به من واجب فإذا شرطنا أنّه وقع اتّقاء القبيح ممّن آمن باللَّه وعمل الصّالحات ارتفع الجناح عنه من كلّ وجه ، وليس بمنكر حذف ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه ، فمن عادة العرب ان يحذفوا ما يجري هذا المجرى ويكون قوّة الدلالة عليه مغنية عن النطق به ، قال شاعرهم :
تراه كأنّ اللَّه يجدع أنفه وعينيه أن مولاه يأت له وفر
لمّا كان الجدع « 1 » لا يليق بالعين وكانت معطوفة على الأنف الَّذي يليق الجدع به أضمر ما يليق بالعين من البخص ، « 2 » وما يجري مجراه . والطَّريق الثّاني هو أن يجعل الإيمان وعمل الصّالحات هنا ليس بشرط حقيقيّ ، وإن كان معطوفا على الشّرط فكأنّه تعالى لمّا أراد أن يبيّن وجوب الإيمان وعمل الصّالحات عطفه على ما هو واجب من اتّقاء المحارم لاشتراكهما في الوجوب وإن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيما يطعم ، وهذا توسّع في البلاغة يحار فيه العقل استحسانا واستغرابا انتهى كلامه . قال الطبرسيّ : وقد قيل أيضا في الجواب عن ذلك : إنّ المؤمن يصحّ ويجوز أن يطلق عليه : لا جناح عليه ، أو جناح عليه ، وأمّا الكافر فمغمور في العقاب بكفره ، فلا يطلق عليه هذا اللَّفظ ، والكافر قد سدّ على نفسه طريق معرفة التّحريم والتّحليل ، ولذلك خصّ المؤمن بالذّكر انتهى ، وروي أنّ قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيّام عمر بن الخطَّاب فأراد أن يقيم عليه الحدّ ، فتلا قدامة : « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا »
هامش
( 1 ) جدع انفه : قطعه . ( 2 ) بخص العين بخصا - بسكون الخاء - : قلعها .