ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطَّريقة فذكر سبحانه في هذه الآية إزالة ذلك التوهّم وأنّهم ليسوا مأمورين بذلك ، فلو قيل : إنّ حبّ اللَّذائذ مستول على الطباع فإذا توسّع الإنسان فيها يمنعه ذلك عن الاستغراق في العبادة والمعرفة ، وإذا كان الأمر كذلك فما الحكمة في نهي اللَّه عن الرهبانيّة ؟ فالجواب أنّ الرهبانيّة والاحتراز التّامّ المفرط عن الطيّبات ممّا يوقع الضعف في الأعضاء الرئيسة الَّتي هي القلب والدماغ فحينئذ تشوّش العقل ، واختلَّت الفكرة ، وذلك يوجب النّقص في معرفة اللَّه والعمل ، فلا جرم وقع النّهي عنها ، والرهبانيّة الكاملة توجب خراب العالم ، وانقطاع الحرث والنّسل ، وذلك يفضي إلى الفساد في الحكمة ، لا سيّما في النّفوس الضّعيفة .
المعنى : قال سبحانه في أوّل السورة : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » فقال في هذه : إنّه كما لا يجوز استحلال المحرّم كذلك لا يجوز تحريم المحلَّل أي لا تعتقدوا تحريم ما أحلّ اللَّه لكم ، كما حرّمت العرب ما لم يحرّمه اللَّه وهي البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، « 1 » ولا تجتنبوا من المحلَّلات اجتنابا شبيها بالاجتناب من المحرّمات ، ولا تجروها مجرى المحرّمات في شدّة الاجتناب وكذلك لا تلزموا تحريمها بنذر ، أو عهد ، أو يمين ، ومعنى الآية على جميع هذه الوجوه والمراد من الطيّبات في الآية اللَّذائد وقيل : الحلال * ( [ ولا تَعْتَدُوا ] ) * حدود اللَّه وأحكامه وقيل : معنى « ولا تَعْتَدُوا » أي لا تجبّوا أنفسكم ، فسمّي الخصاء اعتداء ، عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة ، والأوّل أعمّ فائدة وقيل : معناه :
ولا تسرفوا في الطيّبات ، لأنّه لمّا أباح الطيّبات حرّم الإسراف فيها * ( [ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ] ) * المجاوزين الحدّ * ( [ وكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه حَلالًا طَيِّباً ] ) * ظاهر الأمر للوجوب ، إلَّا أنّ المراد هاهنا الإباحة والتّحليل وقوله : * ( [ حَلالًا طَيِّباً ] ) * يحتمل أن يكون متعلَّقا بالأكل ، وأن يكون متعلَّقا بالمأكول ، فعلى الأوّل يكون التقدير : كلوا حلالا طيّبا ممّا رزقكم اللَّه ، وعلى التقدير الثاني : كلوا من الرزق الَّذي يكون موصوفا بالحلال والطيّب .
ثمّ إنّه تعالى لم يقل : كلوا ما رزقكم وقال : كلوا ممّا رزقكم - وكلمة من
هامش
( 1 ) النساء : 164 .