النصارى ضيّعت الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس فيه ، وبقي من علمائهم واحد على الحقّ والدين ، وكان اسمه قسّيسا فمن كان على مذهبه ودينه فهو قسّيس . ورهبان :
جمع راهب ، كراكب وركبان ، والرهبانيّة مصدر وأصله من الرّهبة والمخافة ، قال جرير :
رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا
والعصم من شعف الجبال الشارد
وقيل : الرهبان يطلق على الواحد والجمع :
لو عاينت رهبان دير في القلل
لا نحدر الرهبان يمشي ونزل
والترهّب التعبّد مع الرّهبة في صومعة ، والتنكير لإفادة الكثرة ، ولا بدّ من اعتبارها في القسّيسين ، إذ هي الَّتي تدلّ على مودّة جنس النصارى للمؤمنين ، فإنّ اتّصاف أفراد كثيرة بالخصلة المعيّنة مظنّة الجنسيّة ، وإلَّا فمن اليهود أيضا قوم مهتدون ، ألا ترى إلى عبد اللَّه بن سلام « 1 » وأحزابه قال تعالى : « مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّه آناءَ اللَّيْلِ ، وهُمْ يَسْجُدُونَ » الآيات ؟ « 2 » لكنّهم لمّا لم يكونوا في الكثرة كالَّذين في النّصارى لم يتعدّ حكمهم إلى جنس اليهود . قوله * ( [ وأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ] ) * عطف على قوله : « بِأَنَّ مِنْهُمْ » أي وبأنّهم لا يستكبرون عن قبول الحقّ إذا عرفوه ، ويتواضعون ولا يتكبّرون كاليهود * ( [ وإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ] ) * عطف على لا يستكبرون أي ذلك بسبب أنّهم لا يستكبرون ، وبسبب أنّ أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا عند سماع القرآن ، والضمير في سمعوا راجع إلى الَّذين آمنوا منهم ، والمراد من « ما أُنْزِلَ » القرآن ، ومن « الرسول » محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم . قال ابن عبّاس : يريد النجاشيّ وأصحابه ، وذلك لأنّ جعفر الطيّار قرأ عليهم سورة مريم فأخذ النّجاشيّ تبنة من الأرض ، وقال :
واللَّه ، ما زاد على ما قال اللَّه في الإنجيل مثل هذا ، وما زالوا يبكون حتّى فرغ جعفر
هامش
( 1 ) هو عبد اللَّه بن سلام بن الحارث من أولاد يوسف النبي عليه السلام ، حليف الخزرج ، كان يهوديا عزيزا في قومه فأسلم ، واستدعى رسول اللَّه أن يسأل قومه عن مكانته عندهم فسألهم واعترفوا بأنه عزيزهم ورئيسهم ، فلما خرج عليهم من موقفه المستور عن أبصارهم وأظهر الإسلام قالوا :
هو ذليلنا وابن ذليلنا ! مات سنة ثلاث وأربعين باتفاق أهل التاريخ على ما في الإصابة « ج 2 : 313 » .
( 2 ) آل عمران : 113 .