« لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً » . « 1 »
* ( [ واللَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] ) * والمراد منه التهديد أي سميع بكفرهم عليم بضمائرهم * ( [ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ] ) * أي غلوّا باطلا فترفّعوا عيسى إلى أن تدعوا له الألوهيّة ! كما ادّعته النصارى ، أو تضعوه فتزعموا أنّه لغير رشده وتنسبوه إلى الكذب والزنى ! كما زعمته اليهود وقوله : « غَيْرَ الْحَقِّ » صفة المصدر أي غلوا غير الحقّ * ( [ ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيراً وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ] ) * الأهواء هاهنا المذاهب الَّتي تدعو إليها الشهوة دون الحقّ ولا يستعمل الهوى إلَّا في الشرّ لا يقال : فلان يهوي الخير إنّما يقال : يريد الخير ، وسمّي الهوى هوى لأنّه يهوي بصاحبه إلى النار قال ابن عبّاس كلّ هوى ضلالة وعنى سبحانه بقوله : « قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ » رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى . والآية خطاب للَّذين كانوا في عصر النبيّ صلى اللَّه عليه وآله فيهووا أن يتّبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم وأن يقلَّدوهم فيما هووا ، والاتّباع هو سلوك الثاني طريقة الأوّل على وجه الاقتداء به * ( [ وأَضَلُّوا كَثِيراً ] ) * يعني به هؤلاء الَّذين ضلَّوا عن الحقّ وغلوا في دينهم ، أضلَّوا كثيرا من أتباعهم * ( [ وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ] ) * وهو سبيل الإسلام بعد مبعثه صلى اللَّه عليه وآله لمّا كذّبوه وحسدوه وبقوا على ضلالتهم جاحدين بنبوّته ، وبقوا على زعمهم الفاسد في اعتقاد الألوهيّة في حقّ عيسى حيث نظروا بعقلهم الفاسد في أمره فوجدوه مولودا من أمّ بلا أب فحكم عقلهم أن لا يكون مولود بلا أب فينبغي أن يكون هو ابن اللَّه ، واستدلَّوا على ذلك أيضا بأنّه يخلق من الطين كهيئة الطير ، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ، ويخبر عمّا يأكلون في بيوتهم وما يدّخرون وهذه الأمور من صفات اللَّه ولو لم يكن المسيح ابن اللَّه لما أمكنه وإنّما أمكنه لأنّ الولد سر أبيه وبسبب هذه الاستحسانات والتخيّلات ضلَّوا وأضلَّوا وما عرفوا أنّ الإنسان الكامل الَّذي حمل أمانة الحقّ من بين سائر الخلق وعمل بمقتضى كماله وخصّه اللَّه بالخلافة ، وقوّمه بأحسن التقويم في قبول هذا الكمال صار قابلا لأن يصدر منه أمور تدلّ على خلافته وخارقه عن عادات البشر بإذن اللَّه تعالى وأمره فصورة الفعل تظهر منه لكنّ الفاعل هو اللَّه ومنشأ الصفة حضرة الإلهيّة
هامش
( 1 ) مريم : 42 .