تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
« فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » « 1 » فلمّا كلَّمها جبرئيل وصدّقته وقع عليها اسم الصدّيقة والحاصل ما امّه إلَّا كسائر النساء اللَّاتي يلازمن الصدق في الأقوال والأفعال مع الخالق والخلق * ( [ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ] ) * أي هما يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الناس ، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلَّا أكل الطعام ، عن ابن عبّاس . وقيل : المراد كناية عن قضاء الحاجة لأنّ من أكل الطعام لا بدّ له من الحدث ، فذكر الأكل وأراد لازمه * ( [ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ] ) * الباهرة المنادية ببطلان ما تقوّلوا * ( [ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ] ) * كيف يصرفون عن استماعها ؟ والإفك : الكذب وأصله الصرف والقلب ، والكذب قلب الصدق و « ثمّ » لإظهار ترتيب ما بين العجبين في التفاوت لإتياننا الآيات أمر بديع في بابه وإعراضهم عنها أعجب * ( [ قُلْ ] ) * يا محمّد إلزاما لهم ومن سلك مسلكهم من اتّخاذ غير اللَّه إلها : * ( [ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ] ) * أي متجاوزين إيّاه إلى * ( [ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا نَفْعاً ] ) * يعني عيسى وهو وإن ملك ذلك لكن لا يملكه من ذاته بل بتمليك اللَّه ، ولا يملك عيسى مثل ما يضرّ اللَّه به من البلايا والمصائب وما ينفع به من الصحّة والسعة . وإنّما قال : « ما » مع أنّ أصله أن يطلق على غير العاقل ، نظرا إلى ما هو عليه في ذاته فإنّه في أوّل أحواله لا يوصف بعقل ولا بشيء من الفضائل فكيف يكون مثل هذا إلها ؟ فإنّ مذهب النصارى أنّ اليهود صلبوه ومزّقوا أضلاعه بزعمهم ولمّا عطش وطلب الماء صبّوا الخلّ في منخريه ومن كان في الضعف هكذا كيف يكون إلها ؟ وإله العالم يجب أن يكون غنيّا عن كلّ ما سواه ويكون كلّ ما سواه محتاجا إليه فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولا بعبادة اللَّه لأنّ الإله لا يعبد شيئا ، ولمّا عرف بالتواتر كونه مواظبا على العبادات علمنا أنّه إنّما كان بفعلها محتاجا في تحصيل المنافع ورفع المضارّ ، واليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء فما قدر علي الإضرار بهم والأنصار وأصحابه يحبّونه فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم ، فالعاجز عن الإضرار والنفع كيف يعقل أن يكون إلها ؟ فكان عيسى عبدا كسائر العبيد وهذا هو عين الدليل الَّذي حكاه اللَّه عن إبراهيم حيث قال : لأبيه :
هامش
( 1 ) مريم : 17 .