ثمّ قال على لسان عيسى : * ( [ إِنَّه مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْه الْجَنَّةَ ومَأْواه النَّارُ وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ] ) * المعنى ظاهر أي إنّ الشان أنّ من يشرك شيئا في عبوديّته وربوبيّته وما يخصّ به تعالى من الصفات والأفعال لن يدخل الجنّة أبدا فإنّها دار الموحّدين ومأوى المشرك النار ، وما للظالمين بالإشراك من أحد ينصرهم بإنقاذهم منها : إمّا بطريق المبالغة أو بطريق الشفاعة وهو من تمام كلام عيسى .
ثمّ حكى ما قاله النسطوريّة والملكائيّة من النصارى فقال : * ( [ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّه ثالِثُ ثَلاثَةٍ ] ) * أي أحد ثلاثة آلهة والإلهيّة مشتركة بينهم وهم اللَّه وعيسى ومريم . و « ثلاثة » كسرت بالإضافة ولا يجوز نصبها لأنّ معناه : واحد ثلاثة لأنّهم قالوا إنّ اللَّه وعيسى ومريم آلهة ثلاثة والَّذي يؤكّد ذلك قوله تعالى للمسيح : « أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه » « 1 » فمعنى ثالث ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة أو واحد من ثلاثة آلهة والدليل على أنّ المراد ذلك قوله تعالى في الردّ عليهم : « وما مِنْ إِله إِلَّا إِله واحِدٌ » فتقدير الآية : ثالث ثلاثة آلهة . وحذف ذكر الآلهة لأنّ ذلك معلوم من سوق الكلام ومن مذهبهم .
قال الواحديّ : ولا يكفر من يقول : إنّ اللَّه ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة فإنّه ما من شيئين إلَّا واللَّه ثالثهما بالعلم لقوله : « ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ » « 2 » والمتكلَّمون حكوا عن النصارى أنّهم يقولون :
جوهر واحد ثلاثة أقانيم أب وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد كما أنّ الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة ، وعنوا بالأب : الذات وبالابن : الكلمة وبالروح :
الحياة ، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا : إنّ الكلمة الَّتي هي كلام اللَّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر والماء باللَّبن وزعموا أنّ الأب إله والابن إله والروح إله والكلّ إله واحد ، وهذا الكلام معلوم البطلان ببديهة العقل فإنّ الثلاثة لا يكون
هامش
( 1 ) المائدة : 116 .
( 2 ) المجادلة : 7 .