فإن قيل : أنّ الرسول الواحد لا يمكن أن يكونوا فريقين لكن قوله : « كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ » يدلّ على كثرة الرسل فصحّ جعلهم فريقين .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 71 ] وحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّه عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ واللَّه بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 )
أي وظنّ اليهود أن لا يكون فيه عقوبة وأنّ اللَّه لا يعذّب والآية دالَّة على أن عماهم وصممهم عن الهداية حصل مرّتين قيل : المراد بهاتين المرّتين أنّهم عموا وصمّوا في زمان زكريّا ويحيى وعيسى ثمّ تاب اللَّه على بعضهم حيث أمّن بعضهم ثمّ عموا وصمّوا كثير منهم في زمان محمّد صلى اللَّه عليه وآله بأن أنكروا رسالته . وقيل : عموا وصمّوا حين عبدوا العجل ثمّ تابوا عنه فتاب اللَّه عليهم ثم عموا وصمّوا كثير منهم بالتعنّت وهو طلبهم رؤية اللَّه ونزول الملائكة .
وقال المولى أبو السعود في تفسيره : المراد من المرّة الأولى حين خالف بنو إسرائيل أحكام التوراة وركبوا المحارم ، وقتلوا شعيا ، وحسبوا أرميا ثمّ تاب اللَّه عليهم حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد وبعد ما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بختنصّر سارى في غاية الذلّ والوهن فوجّه اللَّه ملكا عظيما من ملوك فارس إلى بيت المقدس ليعمّره وينجي بقايا بني إسرائيل من أسر بخت نصّر وردّهم إلى وطنهم وتراجع من تفرّق منهم الأكناف ، فعمّروا بيت المقدس في ثلاثين سنة فكثروا وحسنت أحوالهم كأحسن ما كانوا عليه * ( [ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا ] ) * وهو إشارة إلى المرّة الأخرى من مرّتيهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريّا ويحيى وقصدهم قتل عيسى * ( [ كَثِيرٌ مِنْهُمْ واللَّه بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ] ) * فيجازيهم وفق أعمالهم .
قيل : إنّ بني إسرائيل بعد أن عموا وصمّوا في المرّة الأولى وسلَّط اللَّه عليهم بخت نصّر فاستولى على بيت المقدس فقتل منهم أربعين ألفا ممّن يقرؤ التوراة أو أكثر وذهب بالبقيّة إلى أرضه بالذلَّة إلى أن أحدثوا توبة صحيحة ، ثمّ عادوا مرّة ثانية إلى الفساد وقتلوا من الأنبياء بعد رجوعهم إلى أرضهم بيت المقدس ، بعث اللَّه عليهم الفرس فغزاهم ملك من ملوك الطوائف وفعل بهم ما فعل قيل : دخل صاحب الجيش مذبح قرا بينهم « 1 » فوجد فيه دما يغلي ، فسألهم عن ذلك فقالوا : دم قربان لم يقبل منّا
هامش
( 1 ) جمع قربان : ما يتقرب به .