تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
مسألة قالت المعتزلة : إنّه تعالى شرط عدم الخوف والحزن بالإيمان والعمل الصالح ، والمشروط بشيء عدم عند عدم الشرط ، فلزم أنّ من لم يأت مع الإيمان والعمل الصالح فإنّه يحصل له الخوف والحزن وذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة . والجواب أنّ صاحب الكبيرة لا يقطع بأنّ اللَّه يعفو عنه فكان الخوف والحزن حاصلا قبل إظهار العفو . والإيمان يدخل تحته أقسام وأشرفها الإيمان باللَّه ومعرفة الخالق لأنّ أعظم المعارف شرفا معرفته وكمال معرفته إنّما يحصل بكونه قادرا على الحشر فلا جرم شرح سبحانه في الآية بقوله : « مَنْ آمَنَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ » .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 70 ] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 )

قوله تعالى : اللَّام في « لقد » لام القسم أي باللَّه قد أخذنا العهد من بنيّ إسرائيل يريد الأيمان المؤكّدة الَّتي أخذها أنبياؤهم عليهم بالتوحيد والعمل بما أمر اللَّه به والإقرار ببعثة محمّد ونبوّته والبشارة بمقدمه وخلقنا الدلائل بالعقل الهادي إلى الاستدلال والمقصود من الآية بيان عتوّهم وتمرّدهم عن الوفاء بعهد اللَّه والبيان متعلَّق بما افتتح اللَّه به السورة وهو قوله « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » ووجه الاحتجاج عليهم بذلك وإن كان أخذ الميثاق على آبائهم أنّهم عرفوا ذلك في كتبهم وسمعوا بذلك وأقرّوا بصحّته في كتابهم فالحجّة لازمة لهم وعتب المخالفة يلحقهم كما يلحق آباءهم . * ( [ وأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ ] ) * ولا يوافق مرادهم وميلهم والكلام جواب لسؤال محذوف كأنّه قيل : فماذا فعلوا بالرسل ؟ فقيل : « كُلَّما جاءَهُمْ » من أولئك الرسل بما يخالف هواهم من مشاقّ التكليف عصوه وعادوه وكأنّه قيل : كيف عصوهم ؟ فقيل : * ( [ فَرِيقاً كَذَّبُوا ] ) * أي طائفة منهم كذّبوا الرسل من غير أن يتعرّضوا لهم بشيء آخر من المضارّ * ( [ وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ] ) * أي وفريقا منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوا رسلهم أيضا مثل زكريّا ويحيى . فإن قيل : لم عطف المستقبل على الماضي ؟ ليدلّ على أنّ ذلك من شأنهم وعادتهم .