مذكور فيما قبل والتكرير للتأكيد ، ثمّ قال سبحانه : * ( [ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ] ) * أي لا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم فإنّ ضرر ذلك راجع إليهم أو لا تتأسّف بسبب نزول اللَّعن والعذاب عليهم فإنّهم من الكافرين المستحقّين لذلك . قال ابن عبّاس : جاء جماعة من اليهود وقالوا : يا محمّد ألست تقرأ أنّ التورية حق من اللَّه ؟ قال : بلى قالوا : فإنّا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها فنزلت هذه الآية .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 69 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصَّابِئُونَ والنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 )
قوله تعالى :
والمراد من * ( [ الَّذِينَ آمَنُوا ] ) * في هذه الآية المنافقون قال الزجّاج : الَّذين آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم * ( [ والَّذِينَ هادُوا ] ) * أي دخلوا في اليهوديّة * ( [ النَّصارى ] ) * جمع نصران معطوف على الَّذين هادوا « والصَّابِئُونَ » أي الَّذين صبت ومالت قلوبهم إلى الجهل والخروج من الدين قيل : هم صنف من النصارى يقال لهم الصائحون يحلقون أوساط رؤوسهم وقيل : هم الَّذين يعبدون الكواكب .
وهاهنا مسألة وهي أنّ ظاهر الإعراب يقتضي أن يقال : والصابئين وهكذا قرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وابن كثير ، وللنحويّين في علَّة القراءة المشهورة وجوه نذكر وجها منها ولا حاجة إلى الإطالة وهو الوجه الَّذي ذهب إليه الخليل وسيبويه :
ارتفع الصابئون بالابتداء وهو محذوف الخبر وهو في التقدير : والصابئون كذلك ، ولم يعطفوا على ما قبله لفائدة في الكلام كانّه قيل : إنّ الَّذين آمنوا اتّفاقا والَّذين هادوا والنصارى من آمن باللَّه واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك .
والفائدة في عدم العطف أنّ الصابئين أشدّ الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالا فكأنّه قيل : كلّ هذه إن آمنوا بالعمل الصالح حقيقة قبل اللَّه توبتهم وأزال ذنبهم حتّى الصابئين فإنّهم إن آمنوا كذلك لا خوف عليهم والخوف يتعلَّق بالمستقبل والحزن يتعلَّق بالماضي ، فلا خوف عليهم بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة ولا هم يحزنون بسبب ما فاتهم من طيّبات الدنيا لأنّهم وجدوا أعظم منها وأطيب .