المرضى مرضا * ( [ وأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ ] ) * أي بين اليهود فإنّ بعضهم جبريّة وبعضهم قدريّة وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبّهة أمّا الجبريّة فهم الَّذين ينسبون فعل العبد إلى اللَّه ويقولون لا فعل للعبد أصلا ولا اختيار وحركته حركة الجمادات . وأمّا القدريّة فهم الَّذين يزعمون أنّ كلّ عبد خالق لفعله والمرجئة هم الَّذين لا يقطعون على أهل الكبائر بشيء من العفو أو العقوبة بل يرجعون « 1 » في ذلك ويؤخّرونه إلى يوم القيامة والمشبّهة هم الَّذين شبّهوا اللَّه تعالى بالمخلوقات ومثّلوه بالمحدثات وقيل : المراد من قوله : وألقينا بينهم أي بين اليهود والنصارى من العداوة لأنّه جرى ذكرهم في قوله : لا تتّخذوا اليهود والنصارى وهو قول الحسن ومجاهد . وكذلك بين فرق النصارى كالملكائيّة والنسطوريّة واليعقوبيّة ومعنى ألقينا أي خلَّينا بينهم وبين اختياراتهم الفاسدة حيث لم يقبلوا الصلاح فوقعت * ( [ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ ] ) * بينهم باستحقاقهم ذلك * ( [ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ] ) * .
ثمّ قال سبحانه : * ( [ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه ] ) * وهذا شرح آخر من أنواع محن اليهود وهو أنّهم كلَّما همّوا بأمر من الأمور ، رجعوا خائبين ، مقهورين وكلَّما قصدوا لحرب محمّد صلى اللَّه عليه وآله ، عن الحسن ومجاهد وفي هذا دلالة ومعجزة لأنّ اللَّه أخبرهم فوافق خبره المخبر ، وقد كانت اليهود أشدّ أهل الحجاز بأسا وأمنعهم دارا حتّى أنّ قريشا كانت تعضد بهم والأوس والخزرج لا يستبق إلى مخالفتهم وتتكثّر بنصرتهم فأبادهم اللَّه واجتثّ أصلهم واستأصل شافتهم فأجلى النبيّ صلى اللَّه عليه وآله بني النضير وبني قينقاع وقتل بني قريظة وشرد أهل خيبر وغلب على فدك ودان له أهل وادي القرى * ( [ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً ] ) * أي ليس يحصل في أمرهم منفعة وقوّة إلَّا أنّهم يسعون في الأرض بالفساد وذلك بأن يتّخذوا عضوا ضعيفا ويستخرجوا نوعا من المكر والكيد على سبيل الخفية قيل : أنّهم لمّا خالفوا حكم التوراة سلَّط عليهم بخت نصّر ثمّ أفسدوا فسلَّط عليهم بطرس الروميّ ثم أفسدوا فسلَّط عليهم المسلمين * ( [ واللَّه لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ] ) * ومعلوم أنّ الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند اللَّه .
قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 65 إلى 66 ] ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ولأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) ولَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 )
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، والظاهر : يرجؤون