تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
قال الرازيّ : لعلّ القوم إنّما قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنّهم لمّا سمعوا قوله : « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً » « 1 » قالوا : لو احتياج إلى القرض لكان فقيرا عاجزا والإله الَّذي يستقرض شيئا من عباده لا جرم مغلول اليدين ممسكة فحكى اللَّه عنهم هذا الكلام . وقال البلخيّ : ولعلَّه كان فيهم من كان على مذهب الفلاسفة وهو أنّه موجب لذاته وأنّ حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلَّا على نهج واحد وسنن واحد ، وأنّه غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه الَّتي عليها يقع مثل قولهم : الواحد لا يصدر منه إلَّا الواحد ، فعبّر اليهود عن عدم الاقتدار على التغيّر والتبديل بغلّ اليد . فثبت أنّ هذه الحكاية صحيحة على كلّ هذه الوجوه وغلّ اليد مجاز مشهور عن البخل وبسطها عن الجود ومنه قوله تعالى : « ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ » « 2 » والسبب والعلاقة فيه أنّ اليد آلة لدفع المال فأطلقوا اسم السبب على المسبّب . وقوله : * ( [ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ] ) * دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة علَّمنا اللَّه أن ندعو عليهم بهذا الدعاء ، أي أمسكت أيديهم عن الإنفاق في الخير . واليهود أبخل الناس ولا امّة أبخل منهم . وقال الحسن : هذا الكلام إخبار من اللَّه أي غلَّت أيديهم في نار جهنّم على الحقيقة وشدّت إلى أعناقهم جزاء لهم على هذا القول . وحذف فاء التعقيب مثل قوله : « وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِه إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً » « 3 » ولم يقل : فقالوا أتتّخذنا هزوا ، والحذف لفائدة وهي أنّه لمّا حذف كان قوله : « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ » كالكلام المبتدأ به وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوّة ووثاقة لأنّ الابتداء بالشيء يدلّ على قوّة الاهتمام والاعتناء بتقريره * ( [ ولُعِنُوا ] ) * أي ابعدوا من رحمة اللَّه [ ب ] سبب [ ما * ( قالُوا ] ) * كلمة الشنعاء * ( [ بَلْ يَداه مَبْسُوطَتانِ ] ) * أي ليس شأنه تعالى كما وصفتموه بل هو موصوف بغاية الجود والإحسان ، وهذا المعنى يستفاد من تثنية اليد فإنّ غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يعطيه بيديه جميعا ، ويد اللَّه من المتشابهات وليس المراد أنّ له عضوا
هامش
( 1 ) البقرة : 245 . ( 2 ) الإسراء : 29 . ( 3 ) البقرة : 67 .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 50 | مير سيد علي الحائري الطهراني